عوائل الشهداء والجرحى تشيد بزيارة رئيس مجلس الحكم وجهود اطباء مستشفى الكاظمية في عيدها الخامس والثلاثين مؤتمر وطني وتكريم المخترعين واساتذة وحاملات الدكتوراه في هيئة” التعليم التقني “ ندوة المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية حول مستقبل البلاد والدستور والنظام الانتخابي شخصيات واحداث .. بمناسبة مرور اربعين عاماً على رحيل رئيس الوزراء العراقي الاسبق عبد الوهاب مرجان سلام عادل.. سيرة مناضل من طراز خاص ابن الباشا يسكن في زريبة”خربة“جاســم نوري السعيــد يـعــود بـعـد رحلة من العذاب إلى إسمه الحقيقي
الهروب الى اليابسة أم العودة الى الماء
نصيف فلك: الرواية تبدأ تقليدية منذ لحظة الولادة، حيث يمتد خطها السردي الاول بشكل طبيعي النمو والنسج، لكنه سرعان ما يتقطع بظهور شخصيات واحداث لا صلة لها بشخصيات واحداث الخط الاول، حتى يتم ربطها وحياكتها في اواخر الرواية. إنها الكتابة الاستغوارية، التي تطامن وتكشف السطح لتحفر وتغوص الى جذور الماء، لذلك نجد مجموعة حفر لا رابط لها سوى الماء، وهذا الماء ليس بوصفه المكان الذي تدور فيه الاحداث، وتقيم فيه الشخصيات، بل هو الزمان كذلك اذ توجد الرواية بوجود الماء، وتبدأ بالجفاف والشحوب بل وحتى الذبول في اختفاء الماء، الذي بقي غامضاً لحراجة الكاتب امام سلطة الرقابة، لذا يكون الماء هو البطل، فلولا الهور ما عاشت فيه وحوله الحياة. لم نر شيئاً محدداً ينوي المؤلف ”محمد الحمراني“ ابرازه، ولم ينو قول شيئاً محدداً ايضاً، انه يفوج بمشحوف الورق، مردية القلم، بلا هدف ولا غاية، ينسرب بقطع من الذاكرة الجمعية والفردية، ينسجها مع شخصيات عاشت بالفعل في مناخ الهور، مضيفاً عليها مسوح الاساطير. ويأخذ من الحاضر المعاش فيسرده كماضٍ، متحاشياً ذكر جرائم تجفيف الهور وما صاحبه من احداث دامية، ومأساة، وهي بحد ذاتها روايات تنسج روايات، حين قررت سلطة البعث وصدام إلغاء الحياة والى الابد، لا الحياة بل الحيوات في الاهوار، لكن الراوي يذكرها بتلاميح بعيدة عن الشبهات كي لا يعرض نفسه للتساؤل السلطوي ثم الاعتقال، كما تحاشى الرقابة الاخطبوطية، التي تمد اذرعها بعيداً في وعي ولا وعي المبدع، لكي تمنعه عن الصدور والانتشار وكأنه وباء. لذلك تحايل محمد الحمراني على إخطبوط المنع، واشتغل بزرع ألغام الرموز التي لا تنفجر الا باصدقاء الراوي ومن يعرفه عن كثب، فهم يدركون: ماذا وراء هذه الرموز. كثير من كتاب الرواية المحدثين لم يحترز من فخ السهولة الظاهرتية في كتابة الرواية الحديثة، اذ اما ان تكون ”كولاجاً“ لقصص واحداث وشخصيات يمكن الربط فيما بينها لتكون رواية. او مد خطين متوازيين من القص، يتلاقيان في محطات ومفارق طرق، يختار الكاتب مفاصلها في لعبته لأجل الاشتراك والتلاقي لرسم المصائر، وهناك من يجيد اللعب ـ وهذا نادر ـ بحيث تبدو العفوية في الموسيقى الطاغية والصادحة، ولا نرى قائد الاوركسترا ولا العازفين إلا ظلالاً. وهناك من الروائيين من يقول جهراً للقارئ: انه يلعب، فهل تستطيع ان تكشف اسرار اللعب؟ وانه ـ الراوي ـ يفصح ويصرح بانه بصدد كتابة رواية او ينوي كتابة رواية، فهل تشترك معي ايها القارئ؟ وهذا يسمى في المسرح: إزالة الجدار الرابع، اي اشراك الجمهور كجزء من العرض المسرحي، وهو المسرح الملحمي الذي تسيد عليه ”برخت“. لكن بعض الكتاب المغامرين يورط نفسه في الكتابة الروائية بتوريط شخصياته حين يزجها في قلب صراع محتدم، او في مشكلة لا نعرف الى اين تؤدي ولا كيف تحل؟ مثلما يتورط ممثلون بلا نص مسرحي ودون اي اتفاق على العرض، وهم امام الجمهور على خشبة المسرح، لا يعرفون من اين يبدأون والى ماذا ينتهون؟ وهذا النوع من الكتابة هو الاصعب والاشد خطورة من كل الانواع، لانه المحك، وجه الراوي قبالة وجه القارئ، اي موضوع سيبتكر، اي حدث سيبدع، واي شخصيات ستنبري وتنبثق؟ هنا مخاض عسير لثقافة الروائي وعمق وعيه، هنا شهادة للخبرة الحياتية وسعة الآفاق، هنا امتحان لحس وشفافية الكاتب، هنا بالنتيجة: مخاض الروائي لولادة فنان يتحدى النصوص الروائية لينتصب كراية جديدة في عالم الكتابة. ومحمد الحمراني هنا يعتصر ذاكرة الهور/ الماضي. ويستنطق اشخاصاً احياءً للمادة الروائية/ حاضر. ويغوص اركولوجياً لحضارات العراق الرافدينية القديمة/ إسطورة. ثم ينسج كولاجه الروائي على تلك المحاور او الخطوط في لغة متعددة المستويات: سردية وصفية، شعرية مجنحة لا يجمعها فضاء واحد، وحوارية مترددة بين الفصحى والعامية. الهروب الى اليابسة، هروب من الموضوع، اذ يتشتت بين انطولوجيا انسان الهور، وسعيه في ازاحة الغموض عن وجوده، واين يقف ازاء العالم وهو بهذا التلاشي والإنمحاء وفقره كذات. وبين سجنه المائي من داخله، والمتفايض عليه للخارج، حيث الفيضان الداخلي والعطش الخارجي، مثل شلال يشكو من العطش. فعالم الهور حافل بتنوع انسانه، حيوانه، طيوره، اسماكه، حشراته ونباته، عالم لم تستطع الرواية إحتواءه والإحاطة بجماله النادر، لذلك فهو هروب من العيش بين مفردات ذلك التنوع الخلاب للحياة، هروب الى الحكايات والقصص عنه، اي استبدال الحياة بالحنين اليها، كمن يفقد الجنة او يطرد منها ليستعيض عنها بالشوق والتوق اليها. الرواية ليست بلا موضوع، ولكن كثرة موضوعاتها تجعلها شعثاء، منفوشة الافكار، فلا بد من مشط فني يمشط كل خصلات الموضوعات لتتداخل في تسريحة موحدة، ذات جمال آسر يجر اليها عيون القراء. الهروب الى اليابسة، تظل رغم كل اوصافنا، رواية اقتحمت عالم الهور الخطر والمحظور، عالم صعب الامساك به، وقد حاول محمد الحمراني بأذرعه الفنية ملامسة ملامحه ذات الالف وجه، بحيث جعلنا لا نهرب الى اليابسة، بل نعود الى الماء. فاينما يوجد ماء توجد حياة. شاعر عراقي:
©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي Design By KAA.COM