عوائل الشهداء والجرحى تشيد بزيارة رئيس مجلس الحكم وجهود اطباء مستشفى الكاظمية           في عيدها الخامس والثلاثين مؤتمر وطني وتكريم المخترعين واساتذة وحاملات الدكتوراه في هيئة” التعليم التقني “         ندوة المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية حول مستقبل البلاد والدستور والنظام الانتخابي          شخصيات واحداث .. بمناسبة مرور اربعين عاماً على رحيل رئيس الوزراء العراقي الاسبق عبد الوهاب مرجان          سلام عادل.. سيرة مناضل من طراز خاص          ابن الباشا يسكن في زريبة”خربة“جاســم نوري السعيــد يـعــود بـعـد رحلة من العذاب إلى إسمه الحقيقي 

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

قلم النجار.. رواية الالم الشبحي

 

ترجمة: صالح علماني   

 

حميد المختار
“”عندما ينهار كل شيء، عندما ينتصب الشر كنظام
والقسوة كقاعدة، ايمكن لقلم ان ينقذ العالم..؟ “هذا هو منطق الروائي الاسباني مانويل ريفاس مؤلف هذه الرواية التي اتخذت من سجن سنتياغو في اسبانيا في صيف 1936 مكاناً واسعاً لها، إذ يقودنا هذا الروائي بحذاقته وخياله الخصب الى عوالمه الغرائبية ليتبين لنا ملامح رسام مقتول بايدي جلادين ليرسم بوابة كاتدرائية المدينة بقلم نجار ولكنه بدلاً من ان يرسم وجوه الانبياء والقديسين المنحوتة في الحجر اخذ يرسم وجوه رفاقه في السجن، ان عالم السجن سواء في سانتياغو في اسبانيا او في (أبو) غريب هو واحد والسجناء هم ذات الطينة التي ضغطت عليها الانظمة الدكتاتورية سواء الفرانكوية او الصدامية وجعلت منها عينات غير قابلة للتكرار الا في ذات الاجواء والمناخات التي ساعدت على نشأتها واطلاقها في سماوات الربيع الداخلي للاقفاص، تلك التي مهدت السبيل لتكون هذه المواهب، بل وجعلت لها، ما يساعدها على التماهي بذواتها التي الفت المكان وصنعت منه مادتها الحية وطينتها التي خرجت منها تلك المخلوقات التي دونت تواريخها السرية على الجدران السوداء وفي اروقة الهواء المشبع بالرطوبة وجراثيم السل الرئوي، هذه الرواية كحال شبيهاتها المكتوبة بذات الامكنة المغلقة مكتوبة بأيدٍ مبتورة ومغناة بألسن مقطوعة يومض من خلالها جمال المرضى السلي المتوج بنفثات الدم على الوسائد والاغطية”ولم يكن على الروائي مانويل ريفاس الا ان يضغط هو الاخر على ذاكرته المعبأة بالاسرار ليخرج من بوتقتها الجانب الاشد وحشية من التأريخ، ليتناول بذلك قوة الحب عندما يملأ هوة اليأس السحيقة انه ينسخ بلغته السحرية تلك شبكة واقع ملغوم بأوامر الاعدام التي تأتي بين حين و اخر لتضع حداًلمحكوميين ابديين في زنازين الانظمة البائدة حين قتل الحارس”هير بال “ الرسام السجين لم يمت هذا الاخير بل عاش متلبساً في عقل قاتله وصار يملي عليه الاوامر والحركات ويقص عليه الحكايات، كان”هيربال “ يصغي لما يقوله الرسام: كان يقول ان للكائنات والاشياء لباساً من نور وان الاناجيل نفسها تتكلم عن البشر على انهم”ابناء النور “ وانه لا بد من وجود خيوط نور ما بين السجناء، في الغناء والنساء على الصخور تمتد فوق سور السجن، خيوط غير مرئية لكنها تنقل مع ذلك لون الملابس وآثاث الذاكرة واكثر من ذلك عبارة من حبال نورانية وحسية، وتخيل الحارس ان السجن ونساء الصخور في سكونهم يمارسون الحب وان عاصفة اصابعهم الهوجاء هي التي تهز التنانير والشعور، لذلك لم يمت الرسام بل ظل مائلاً في عقل القاتل، وبقي قلمه شاهداً على ذلك، من جانب آخر ظل هذا الحارس يطارد الدكتور”داباركا “ السجين السياسي القديم والعاشق الازلي ابتداءً من عقر محنته في سجنه الانفرادي وتنقله بين السجون في اطراف مختلفة من اسبانيا في زمن الحرب الاهلية الاسبانية وقائدها فرانكو الذي ظل يهاجم قوات الجمهورية المحاصرة داخل العاصمة مدريد بطوابيره العسكرية وجواسيسه الذين شكلوا طابوره الخامس حتى اصبح بعد ذلك رئيساً للحكومة وزعيماً سياسياً حل جميع الاحزاب وامتصها في حكومة الحزب الواحد، في هذه المدة بالذات بدأت احداث هذه الرواية خلق كواليس زمن الطغيان وتحت ارض الجزمات العسكرية لقوات الامن الفاشي، وفي الوقت الذي كان الدكتور”داباركا “ مطارداً من قبل السجان”هيربال “ ظل هذا الاخير مطارداً ومتلبساً من قبل الرسام الذي تحول الى روح مطاردة لشقاوة ارواح الجلادين، فنفذ في جسده وعقله وركب رأسه حتى انه صار مرتعاً آمناً لتلك الروح الشفافة لذات الفنان القتيل وامسى يرتجل احياناً عن اذن”هيربال “ ويغادر رأسه ويتأخر في الرجوع، كان يمضي متجولاً للبحث عن ابنه المفقود هو الاخر في حمأة تلك الحرب المجنونة، اما الحارس فكان يفكر به بشيءٍ من الحنين المتنقل من ذات الرسام بطريقة العدوى القهرية ان جاز التعبير، ذلك لان الرسام يوفر له الحماية من ذاته المدمرة والمتآمرة ضده وبالتالي يوفر له ما يساعده على ازجاء الوقت بمتعة المحادثة في ساعات حراسته في ليالي المناوبة، حتى انه في احيان كثيرة كان يعلمه اشياء لم يكن يعرفها، انه ينقل اليه مفردات شكل الطبيعة الآسرة، كالثلج والبحر والحقول الفسيحة، وهو يريده ان يراها بشكل آخر اي بعيني شاعر وفنان لا ان ينظر اليها كجلاد يقوم بحراسة مجموعة من المساجين المتآمرين على امن البلاد، هكذا هو الحال مع الحارس وظله، مع القتيل وقاتله الماثل امامه والماكث فيه، ثم ينقلنا الروائي الى مشاهد بانورامية لمئات المعتقلين في سجن”كورونيا “ وهم يدورون في نزهاتهم الليلية، لقد اعتادوا اخذهم الى الموت في مكان قريب جداً على شاطئ البحر، وهناك بينما تئز الرصاصات مخترقة الاجساد تنعكس احزمة ضوء الفنارات على من سيعدمون رمياً بالرصاص اولئك الذين يرتدون قمصاناً بيضاً، فتجعلهم يلمعون كالبرق الخاطف في سماءٍ ملبدةٍ بالغيوم، وبعد كل اطلاقة نار هناك صمت تفجع بشري، اما امسيات الموت المؤجل فهي لا تقل وحشية عن تنفيذ الاعدام نفسه، فأحياناً ينجو احد المعتقلين المختارين للقتل بان تكون من نصيبه طلقة خلبية، وهذا الخط وهذه الحياة بالمصادفة تجعل كل شيء اكثر مأساوية قبل عملية الاعدام وبعدها، فقبل الاعدام لأن املاً ضئيلاً جداً يعكر مثل حصى في الطريق وهو الاحساس بالرحمة لدى من يمضون في الرتل الى الموت وكل واحد منهم يأمل بأن تنتشله يد منقذه مما سيؤول اليه مصيره، وبعدها لان الذي سيعود منهم حياً سيوثق الرعب في هلع عينيه وهو غير مصدق بأنه نجا وعاد الى الحياة مرة اخرى بالمصادفة وبفضل طلقة فارغة من مادة الموت، لقد استطاع الروائي ان ينقل لنا احداث الرواية عن طريق الحارس”هير بال “وهو يقص ما رآه من احداث الى”ماريا فيسيتا ساو “ العاهرة العاملة في الملهى الذي صار مأوى”الهير بال “ بعد سجنه وفصله من وظيفته، فنقل لها بأمانة ما رآه وعاشه مع جمع من المساجين وهم نخبة المثقفين الاسبان الذين القى بهم فرانكو في ظلمات السجون، كان”هير بال “ اذاً شاهداً للأدانة وناقلاً حيا لما دار في تلك السجون وحتى خارجها حين اتفق الدكتور”داباركا “ مع اثنين من سجانيه ان يسمحا له بقضاء ليلة زفاف اولى واخيرة مع حبيبته ماريسا قبل ان يموت في سجنه البعيد، كان هو شاهداً على ذلك واذا حاول الانكار او اخفاء او تزييف بعض الوقائع فأن الرسام سيومض في رأسه ويجعله يتقيأ الحقيقة مهما كانت خطيرة او صعبة، لهذا فهو حين يتذكر قصة غرام الدكتور”داباركا “ يقول: لم اكن لاتصور بأن”ماريسا “ والدكتور”داباركا “ سيشكلان ثنائياً عاشقاً، هذا شيء ينفع في الروايات ولكنه لا ينفع لواقع ذلك الزمان، لأنه كان اشبه بالقاء بارود في المبخرة، وهو كلما ينتهي من الخروج من حالة يدخل في حال تلبس فعل القتل حين يتذكر عمه الصياد الذي يصوب على الثعلب وهو يقول: متأسف جداً يا صديقي ويضغط على الزناد، ثم يضربه العم عندئذ بقسوة بالعصا ويوجه ضربة صائبة الى قذال الثعلب العالق في الفخ، لقد كانت هناك ما بين العم الصياد وطريدته لحظة النظر وهو يقول للطريدة بعينين وهيربال يسمع تلك الهمسة بأنه لا سبيل آخر امامه، وهو ذات الشعور الذي احس به امام الرسام، لذلك يقول واصفاً تلك الحالة: ولست ادري ما الذي فكر به هو عندما التقت نظرته بنظرتي، في ذلك الوميض الرطب من الليل، ولكنني اريد ان اعتقد بأنه قد فهمني، بانه ادرك انني انما افعل ذلك لكي اوفر عليه العذاب، اسندت المسدس دون تردد الى صدغه وفجرت رأسه، ثم تذكرت بعد ذلك القلم الذي كان يضعه على اذنه، هذا القلم صار شاهد جريمة ومدوناً لها في ذات الوقت، شاهد فعل داخلي ومدون احداث خارجية صارت ضمن التاريخ السري ليس للشخصيات حسب وانما تاريخ مدينة وقصة شعب وحكاية حب بما فيه جحيمهم الصغير ومكان الخطيئة”لبيت الحمائم “ في حي المومسات، فيما وراء السجن الذي يقود الى الموت دائماً، لذلك لم يخف الجد الاول لماريسا العاشقة نزواته المقدسة في حبه للشعر الذي اصبح هو الآخر ملاذاً آمناً لذكريات البطلة واطاراً خفياً لشعرية النص، وهو لم يدخر وسعاً في القاء اشعار في يوم حفلة بلوغ حفيدة”ماريسا “ سن الرشد. حيواتنا هي الانهار تمضي الى البحر الذي هو الموت كلمات موجزة تختصر قيمة الرواية باجمعها، وفي ختام الرواية تتضح المصائر خصوصاً مصير السجان”هيربال “ حينما تداهمه الاسطورة لتقتله، اسطورة حياة وموت وهما الاختان التوأمان المتناحرتان على طول الوجود بسبب خطف الاخت حياة عازف الاوكورديون من خطيبته موت، فصارت موت تبحث على الدوام عن اختها حياة وحبيبها لتقتلهما انتقاماً منهما، ولكن ها هي موت تأتي لتجد السجان”هيربال “ وحيداً ككلب بدلاً من العاشقين الهاربين اللذين تمثلا بـ”داباركا “ وحبيبته”ماريسا “ تساءل”هيربال “ : لماذا هي صامته هكذا؟ لماذا لا تلعن العاهرة حياة وعازف الاكورديون الباسم الذي اخذها، ها هو ذا اذن امام الموت وجهاً لوجه فتلعثم من بين اسنانه: انه الالم الشبحي. ولا شيء غير ذلك.

 
 


 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM