أسواق الموصل القديمة تراث يبحث عن التجديد            محطات رياضية ...اليوم.. صراع التاريخ             (الصباح) في ضيافة عروس البحر ولؤلؤة الخليج العربي            مسؤولون ومواطنون يؤيدون إعلان قانون الطوارئ         بعد ثبوت تلوث المياه البيئة... تقوم بمسح بيئي لنهر دجلة              سوق الصفافير صناعة عمرها الف عام             الأنسنة وتقييد الحرية في مسرحية سعدون العبيدي “القرد”            الواقع . التمرد . الأسطورة في رواية ” من أكون في اعتقادكم “

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

الأنسنة وتقييد الحرية في مسرحية سعدون العبيدي “القرد”

 

صباح الانباري/
في هذه المسرحية يخرج الكاتب المسرحي المبدع سعدون العبيدي من حقل الاهتمام بشؤون الانسان وهمومه الى حقل الاهتمام بالحيوان وشؤونه، مشتغلا على بنية المقاربات وما تجره على احدهما بعد الغاء المفارقات البايلوجية، وايجاد الحلقة المفقودة في سلسلة تطور ونمو الكائن الذي يعتقد اننا خرجنا توالديا منه واختلفنا جينيا عنه، وبما ان الانسان ارقى الكائنات على الارض طراً، لذا فأن تأثيرات اي تجريب او اختبار علمي جديد يقوم به على بقية الكائنات يترك بصماته الانسانية الواضحة.

لقد امتاز الانسان على بقية المخلوقات بطبعه الاجتماعي، وميله الى تأسيس جماعات متآلفة منسجمة تتطور وتتحضر وتفرض ارادتها الجمعية بهيئة قوانين تنظم حياتها وتجعلها اكثر استقرارا. بينما ظل الحيوان يعيش في تجمعات وان كانت متآلفة ومنسجمة اجتماعيا الا انها غير قادرة على الدنو من مستلزمات التحضر والحضارة ومانعها الفطري انها تسكن البرية وطناً دائما لها، ومساحة ملائمة لنشاطاتها الطبيعية حتى الداجنة منها لم ترغب في تدجين نفسها مع الانسان الا لتوفر لنفسها اسباب الحماية من الكواسر والضواري وبقية المفترسات. وبما ان الانسان ميال بطبعه الى تسخير الكائنات الحية لخدمة مصالحه الطبيعية والنفعية سواء اكانت حيوانية تلك الكائنات ام نباتية ام مجهرية، فهو يريد فرض سيادته او يحاول فرضها على الكون الواسع ليتخلص من التأثيرات والضغوط الخارجية عليه وليبعد القوى التي تتحكم بقدرة على الارض الى السماء وليعبث بدلا منها بمصائر الكائنات مروضاً اقواها ومدجناً اشرسها ليلهو بمشاهدتها وهي ترقص في حلقات السيرك او تعيش معه داخل البيت، على هذا بنى الكاتب سعدون العبيدي مسرحيته القصيرة (القرد*) بناء تناول فيه حياة ثلاث شخصيات تربطهم اواصر قوية امتدت تأثيراتها الى مديات غير متوقعة انسانيا ففرضت علينا مهمة الدخول الى عوالمها والكشف عن نواياها وبواعثها وتشاخص بعضها عن بعض ـ العالم وابنته ليندا وقردهما المدلل الذي جعل العبيدي منه شخصية محورية تدور حولها احداث المسرحية ومواقفها وافعالها وصراعها الدرامي. وهي شخصية شفافة تنطوي دخيلتها علىمقاربات ومفارقات ما ان تختفي تأثيرات احداها حتى يظهر تأثير الاخرى فيظهر معها التناقض الذي اسسه العبيدي على وحدة وصراع الاضداد ليضمن لمسرحيته تكامل اكثر من عنصر من عناصرها الدرامية.
لقد تحول هذا القرد بفعل المعاشرة الى واحد من افراد الاسرة او هكذا حسبته الاسرة، تعلم منها الكثير من العادات واكتسب الكثير من التصرفات وتماثل سلوكه واياها تماثلا شجع العالم على اجراء التجربة عليه وتحويل خلايا دماغه الى خلايا مماثلة لخلايا دماغ الانسان سلوكيا وذهنيا وجينياً مما جعل الحيوان يتصف بصفات انسانية مع احتفاظه بشكله القردي.
ان تحول القرد الى انسان دفع العالم الى عالم الشهرة والتربع على عرش المشاهير في العالم وفي الوقت ذاته يعي حالة الاضطراب والشعور بالضيق وفقدان الهدوء فاصطدم اول ما اصطدم بعد ذلك التحول، بفعل الكذب وانعكاسه المرضي المدمر، يقول متأسفاً على عالمه الاول:
(لم اعرف هذه الصفة عندما كنت حيوانا، ولا اريد ممارستها الان، انها اسوأ عادة يعتمدها الملايين من البشر) ويقول ايضا: (ان الكذب هو الركيزة الاساسية لكل الحالات السلبية التي تقودنا الى الكوارث).
التحول اذن عزز في القرد حالة التضاد بدل الغائها وولد لديه شعورا متعاظما بالحب الذي لم يستطع ان يعبر عنه، عندما كان في حالته السابقة، الا من خلال مشاعره الحسية البدائية، لقد وفرت له الأنسنة القدرة على التعبير عن مشاعره النامية تجاه ليندا بوساطة اللغة، ولكنها في الوقت ذاته شيدت حاجزا سميكا بينه وبينها، لقد كانت ليندا بعيدة عن الاحساس بالحرج وهي تداعبه او تلمسه او تحتضنه او تضمه الى صدرها ولكنها بعد أنسنته صارت تحذر من القيام بهذه الافعال المحببة لا لشيء الا لكونه صار انسانا مثل اي انسان على هذه الارض، ان اللغة عززت في نفسه ثقة لم يخبرها من قبل، وجرأة لم يعرفها في نفسه فاندفع بنزق انساني طالبا يد ليندا من ابيها دون ان يعرف ان طلبا كهذا سيحدث صدمة قوية او رداً انعكاسيا شاذا تطول تأثيراته حياة ليندا ووالدها فعلى الرغم من حبهما له واحترامهما لشخصه الا انهما رفضا القبول به زوجا متذرعان بذرائع دحضها ظنا منه انهما على وفق المنطق البشري سيوافقان لقد اصرا على الرفض فأخذت الصدمة اتجاها معاكسا غارزة في نفسه الخيبة والاحباط والحزن.
لقد ظن كائن العبيدي المتحول ان له حقوقا انسانية مشروعة تؤهله لممارسة دوره الانساني في الحياة الاجتماعية ولم يخطر على باله قدرة الانسان على الوقوف ضد حرية الانسان الاخر، واستغلال الانسان للانسان الاخر.. ان الرفض عنده يعني انهما لا يزالان يعاملانه كما لو كان قرداً حقيقياً على الرغم من انجازاته الانسانية والمعرفية والثقافية واتقانه لثلاث لغات بشرية.
لقد سلبت حريته المطلقة وصودرت عواطفه البريئة وكبحت غرائزه الطبيعية ولم يبق له الا ان يطالب العالم بارجاعه الى وضعه الاول ما دام وضعه الاول يشعره بالسعادة التي اغتصبها التحول دون رحمة، واطفأت تمتعه الفطري بالحياة ووضعت، بعد هذا وذاك ساقراً هائلاً بينه وبين مداعبته الاثيرة ليندا، يقول باصرار:
(اعد لي حريتي.. دعني انطلق من هذا القيد البغيض)
ان اللمسات الانثوية التي قامت بها ليندا اشعرته، قبل التحول، بالمحبة والمودة وقد تنامت، بعد التحول، الى مشاعر انسانية احدثت انقلابا او ازمة في عالم الشخوص الثلاثة.
لقد اراد سعدون العبيدي من كل هذا الاشارة الى الكيفية التي يتم على وفقها الغاء الحقوق والتلاعب بالمصائر، واراد ان ينبهنا الى ان الامر ما ان يحدث فعلا حتى يسعى الانسان الى ايجاد مخرج او منفذ يتخلص بوساطته من حرج منح الاخرين حقوقهم المشروعة. ويضعنا امام الاسئلة المهمة:
لماذا يحق له هذا ولا يحق له ذاك؟ ولماذا يأخذ هذا ولا يأخذ ذاك. لماذا يبخس الناس حقهم وهو يسعى الى تحقيق حالة انسانية متطورة.
واذ يكتشف اننا لا نميل الى الاجابة يطالب باستعادة حريته وارجاعه الى عالم البراءة ولكنه ان ارجع فعلا سيجد ثمن الرجوع باهظاً يدفعه من حياته وعمره وخسرانه للحب الذي جعله متعلقا بليندا الى ابعد حدود التعلق. ان هذا الحب الكبير العظيم هو الذي بقي في ذاته حتى بعد تحوله ثانية وعودته الى حالته القردية الاولى، وهو الذي مكنه من لفظ اسمها ثلاث مرات قبل ان يسقط سقطته الاخيرة ويموت.
لحظتئذ فقط احتضنته ليندا وكأن موته حررها من القيد الذي فرضته عليهما حالته الانسانية ونادته دونما حرج (حبيبي) تاركة هذي الـ(حبيبي) في نفوسنا لوعتان: لوعة الحب ولوعة الحرمان حتى صرنا لا نعرف مع من نكون والى جانب من نقف. اننا لا نملك على اية حال الا ان نصرخ في وجه رجالات العلم دعوا الكائنات كما هي وكما ودت لتعيش حياتها هي لا حياتكم ولتسلك سلوكها لا سلوككم
ولتنطلق في ارجاء البرية بعيدا عن انسنتكم وقيودها البغيضة.
لقد اشتغل العبيدي في هذه المسرحية على فكرة اثارت دهشة القارئ واستفزت عواطفه وحركت ذهنيته ضاخة له سيلا من الاسئلة التي تبحث لها عن اجابات دقيقة تركتها المسرحية مفتوحة على كل الاحتمالات ومنغلقة على الفواصل الزمنية التي اجريت خلالها عمليات التحول وكأن العبيدي اراد التخلص من عرض تقنيات التحول بشكل عملي على خشبة المسرح او داخل النص. وقد حدث هذا في بداية المسرحية (بعد المشهد الاول) وفي نهايتها (قبل المشهد الاخير).
ان فكرة مثيرة كهذه جديرة بالتوقف عند حدودها للتفكير بما يصنعه الانسان من قيود ثقيلة تفرض نفسها يوما بعد آخر على حرية الكائنات الاخرى وتلغي مقوماتها الاساسية.
* مسرحية القرد ـ سعدون العبيدي ـ مجلة الاديب، المعاصر ـ العدد 47 لعام 1995 بغداد.

 

 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM