|
بيروت ـ بغداد ـ وكالات:
ويخلص الباحث الى ان لا تسامح بدون اختلاف، فالتسامح ثمرة مران طويل على قبول
حراك الصورة والفكرة والمفهوم، وقبول استئناف النظر الدائم بكل شيء، وعدم
الارتماء في منطقة المطلق، وقبول الذات بتغيراتها، والاخر بسياقاته الثقافية،
فالتسامح ليس منة او هبة يتفضل بها احد على غيره. انه حق تنتزعه المجتمعات،
حينما تنخرط بفعالية الاختلاف متعدد المستويات والمعاني.
وحاورت المجلة العلامة السيد محمد حسين فضل الله عن” التسامح ومنابع اللا
تسامح “ وتحدث السيد فضل الله عن” العفو، والمغفرة، والتوبة.. وغيرها “ في
القران، وما تشي به ايات الكتاب من الاعتراف بالاخر، وكيف ان مناقشة فكر
الاخر ومحاورته انما هي تعبير عن احترامه والاهتمام به، باعتبار الفكر نتاج
الشخص نفسه، وهو تجل لمعتقداته ومفهوماته، من هنا يتمثل التسامح في الاسلام
في احترام الناس في انسانيتهم باعتبارهم يمتلكون الفكر، وليس في احترام الفكر
في ذاتياته. كذلك نفى العلامة فضل الله ان تكون الايات التي تنفي الاكراه
منسوخة بايات القتال، لان هذه الايات وامثالها من ايات الرفق والتسامح واردة
في نطاق الدعوة والعلاقات الانسانية والاجتماعية اما آيات القتال فهي واردة
في مقام رد الاعداء في تحدياتهم في الجانب الدفاعي.
كما نشرت المجلة حوارا للدكتور السيد حسين نصر، بعنوان” الخلاف يعود الى عالم
الاسماء ولو انتقلنا الى عالم المعاني يسود الوفاق “ عالج فيه مسألة التعددية
الدينية وجذورها في الموروث الاسلامي، وكيف ان القرآن يعتبر” ان الدين عند
الله الاسلام “ والاسلام هنا ـ كما يقول حسين نصر ـ ليس بمعنى الوحي القرآني
وحسب، بل هو بمعنى التسليم لله، وجميع الاديان تقوم على عبادة الله والتسليم
له.
ويستقي الدكتور نصر من نصوص الشعراء المتصوفة ورؤيتهم الانسانية، التي تذهب
الى ان الله لم ينزل اكثر من دين واحد، فقد بدأ دين” لا اله الا الله “ من
النبي آدم واختتم بالنبي محمد، اذ يلخص الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي،
السبب الاصلي للاختلاف بين الاديان بقوله: اختلاف الناس يرجع الى الاسماء،
فاذا انتقلنا الى المعاني يسود الوفاق اختلاف المسلم والزرادشتي واليهودي
يعود الى زوايا النظر.
اما الدكتور عبدالكريم سروش فقد عالج الحوار المطول معه جدلية” الدين
والتسامح والمدنية “ وتوغل في ثنايا التراث ليقوض الدعوى التي تعتبر كافة
نصوص المتصوفة والعرفاء ابرز منهل للتسامح والتعايش في التراث، فيشير الى
النزعة الاقصائية الاستئصالية لدى بعض هؤلاء كالغزالي واضرابه من المتصوفة
حيال المذاهب والفرق الاسلامية. ويلمح الى ان المفارقات في عالمنا ان التسامح
يوصى به عادة للمرؤوسين الضعفاء، كذلك يستخدم التسامح في تراثنا الصوفي
والاخلاقي احيانا في غير محلهما، حتى يصل التسامح احيانا الى تسويغ قبول
الظلم وتبريره، ويشدد على انه لابد من العمل بمبدأ التسامح مع الاخر، الا مع
اعداء التسامح نفسه، فالظلمة والمجرمون والقتلة لا وجه للتسامح معهم.
كما عقدت المجلة ندوة في مكة المكرمة في 2004/2/2، شارك فيها الدكتور ابو
يعرب المرزوقي، والدكتور السيد ولد اباه، والدكتور احميدة النيفر، والدكتور
هشام داود، والدكتور ابو بكر باقادر، وتناولوا فيها” التسامح ومنابع اللا
تسامح “ وتحدثوا عن تحليل مفهوم التسامح، ومجالاته التداولية، ومنابع اللا
تسامح في تراثنا وفكرنا واجتماعنا اليوم وامس. وافاض المشاركون في بيان هذه
الموضوعات البالغة الاهمية، استنادا الى مرجعيات معرفية وثقافية متنوعة، تحكي
تنوع التاهيل الاكاديمي للمساهمين في الندوة.
وفي باب دراسات استوعبت المجلة ثمانية ابحاث استهلتها ببحث للمفكر الايراني
مصطفى ملكيان حلل فيه” المرتكزات النظرية للتسامح “ من منظور لاهوتي
مستنير.ثم تلته دراسة للدكتور عبدالمجيد الشرفي بعنوان” المسلمون في عالم
عدائي “ اكد فيها على ان القول بان وصف دين معين بانه دين السلام، او بانه
دين العنف والحرب، هو قول لا معنى له، وهو طرح مغلوط من الاساس، لانه تعبير
عن نظرة ماهوية الى الدين يكذبها الواقع والتاريخ، فان اتباع الدين هم الذين
يكونون دعاة سلم حينا، ودعاة حرب حينا اخر، فالدين في كلتا الحالتين يستعمل
مبررا لاختيارات ذات صبغة سياسية واقتصادية او عسكرية، والرهانات الحقيقية
رهانات دنيوية، وان تلبست بالدين، واستندت الى نصوصه المقدسة ينتقون منها
ويؤولون حسب دوافعهم واغراضهم.
ورغم ذلك فان كل ملاحظ منصف يقر بان المسلمين قد مارسوا عبر تاريخهم من ضروب
التسامح تجاه مخالفيهم في العقيدة ما يعسر العثورعلى مثيله في تاريخ اتباع
الديانات الاخرى. وهذا السلوك لابد انه متاثر بطبيعة الرسالة المحمدية ورسالة
الرحمة، ورسالة عدم الاكراه في الدين.وتحدث الدكتور رضوان السيد عن” العنف
الديني تجاه الاخر “ وكيف صار الجهاد لدى الاحيائيين الاسلاميين مقدسا
وشعائريا، فهو مقدس لانه ذو دوافع دينية بحتة من وجهة نظرهم، وهو شعائري لانه
فعل توبة، فعل اضحوي وافتدائي للنص والاخر، وهكذا يصبح الانتحار او تفجير
النفس اكبر الحجج على صحة الفعل، ويصبح الانتصار انتصارا على النفس قبل ان
يكون انتصارا على الاخر.وتناولت المستشرقة الالمانية الراحلة آن ماري شيمل
موقع” التصوف كجسر بين الاديان والحضارات “ فليس التصوف زهدا يقتصر على نفي
الدنيا، ولا اهمال الوظائف الدينية، او انه احلام رومانسية، بل هو احياء
للقلوب، وبعث الحس الديني العميق، وخلع المعنى على ما لا معنى له، وهو العشق
وحرارة الوجد التي نحن بامس الحاجة اليها اليوم، لنحيا ويحيا بنو الانسان.وفي
دراسة موسعة تناول المفكر اللبناني علي حرب ما اصطلح عليه مفهوم” الانسان
الادنى “ فنقد المركزية البشرية ورأى بان الاجدى والاغنى في التعامل مع الناس
في القطاعات البشرية، بوصفهم منتجين خلاقين اولا، وبوصفهم فاعلين مؤثرين
ثانيا، الامر الذي يحمل على تجاوز الثنائية التي تحكمت بعقول الفلاسفة طويلا،
اي ثنائية النخبة والجمهور، او المعرفة العلمية او المعرفة العامية، مثل هذه
الثنائية المبنية على احتكار المعرفة واحتقار الجمهور هي مصدر للفقر والجهل
والتخلف والاستبداد، مما يعني انه لا احد اولى من سواه بالحقيقة والقضية
البشرية، والافق الذي ينفتح الان يخلق مجالا لتجاوز مجتمع النخبة والوصاية
نحو مجتمع تداولي جديد، يتشكل بعقلية المفاوضة والمحاورة، او المشاركة
والمبادلة، بحيث يشترك الجميع في البناء والتنمية.
ويناقش المفكر العراقي غالب حسن الشابندر مقولة الفرقة الناجية في بحثه” على
طريق التسامح “ الذي يدعو فيه الى تشكيل علم بديل لدراسة الفرق، لان علم
دراسة الفرق التقليدي في الاعم الاغلب يكاد يكون علما تكفيريا، ذلك ان الكثير
من المؤلفين فيه يتمحور هدفهم على بيان الفرقة الناجية وتمييزها عن الفرق
الهالكة. وتكمن اهمية مقاربة الشابندر لهذه المسالة في حشده لعدة منهاجية
تدمج بين ادوات اللاهوت وعلوم الحديث الكلاسيكية، والاركيولوجيا والعلوم
الانسانية، بغية تفكيك ظاهرة التكفير لدى الجماعات الاسلامية اليوم، واحالتها
الى منابعها التي تنهل منها والعناصر المولدة لها.كما درس الدكتور نادر كاظم،
وهو باحث جاد من البحرين” تحالف المعرفة والهيمنة: لعنة السواد وامثولة النيئ
والمطبوخ والمحترق “ عبر توظيف جينالوجيا المعرفة، والعلاقة بين المعرفة
والسلطة عند ميشيل فوكو، فكشف عن صورة” الاسود الزنجي “ في المتخيل، وكيف
اننا لم نكن متسامحين دائما مع الاخرين، وفكك تحالف المعرفة والهيمنة.
وتناول الدكتور احميدة النيفر” الآخر والهوية والتراحم “ من خلال قراءة في
التجربة التاريخية للغرب الاسلامي، واوضح بدراسة معمقة لكتاب” المعيار “
للونشريسي، نمط العلاقة بين المسلمين والنصارى واليهود في” الاندلس والمغرب “
وما يسودها من تعايش وانفتاح وحراك وتحاور وتفاهم. |