|
فلاح المشعل
كرماء في الحب والدمع..والخيال ايضاً.،كانوا على موعد مع منتصف كل شهر
عربي،ينتظرون القمر يصبح بدراً،يصعدون الى السطوح المفروشة بالطين أو
الطابوق”الفرشي “يزرعون عيونهم في البدر كي يطالعوا بتدقيق نظر مكثف صورة
وملامح عبدالكريم قاسم..!
البعض كان يناجيه والاخر يشكو..وأنا ابن السنوات الخمس لم أفقه ماذا تعني تلك
التوسلات التي تطلقها الامهات؟ولماذا يقرأ الآباء بجزع شديد سورة الفاتحة على
روح هذا الغائب؟الذي صار الرجال يخفون صورته مع اسرارهم الشخصية،اما النساء
والصبيان فيصعدون الى السطوح ليطالعوا صورته المرسومة في القمر..كل ما كنت
اعرفه آنذاك عن ابي ان الحرس القومي هم زمر متحللة تفتش البيوت بحثاً عن صور
الزعيم وانصار السلام،وهم قتلة الشاب الشيوعي”سيد وليد “ في حادثة فجع بها
اهالي مدينة الناصرية.
كبرنا وصارت الاسماء تنهض في الذاكرة،تتراكض مع سنوات العمر،وعرفنا ان
للفاشست مشتقات وتسميات كثيرة،وان عبدالكريم قاسم صاحب مشروع الانقلاب الذي
اقام نظاما جمهوريا على انقاض حكم ملكي..وانه اعطى للفقراء والمضطهدين ولم
يأخذ شيئاً،وهذا ما لم يعرفه التاريخ العربي عن الحكام منذ زمن الامام علي”ع
“ .! فهذا الزعيم الذي سمى العراقيون ابناءهم على اسمه،لم يستطع اعداؤه ان
يجدوا مثلية في تاريخه الشخصي او فترة حكمه،واحتار زبانية صدام وقتلته في
انتخاب تهمة ضده،ومن هنا اكتسب شرعية التطابق مع المثل الشعبي المصري”امشي
عدل يحتار عدوك فيك “ ..ولم يجدوا سوى وصفه بـ”الدكتاتور “ ..! واليكم هذه
الحادثة التي تحكي عن هذا”الدكتاتور “ الذي تنتظر النساء عودته من القمر
ليكون منقذاً للاحلام التي افسدها طول الامل.
تذكر الحاجّة ام مجيد التي عوضت موت زوجها بعمل يبدأ مع أول الليل حتى مشارف
الصباح حيث تفتح مطعمها الشعبي على الرصيف في باب المعظم، تقول : في خريف عام
1960 وبعد الساعة الواحدة ليلاً كان البرد يتسلل بهدوء،وأم مجيد تجلس بجوار
المنقلة المتوجرة بالفحم تجهز قطع المعلاك والتكة والفشافيش حيث موعد عمال
المطابع اوشك ان يحل،بعد ساعة،واذا برجل يتجه نحونا وخلفه يسير مرافقه،نادى
عليّ”حميد الاسود “ صاحب بسطية” الجاي “ المجاورة لي،ام مجيد”اجانه رزق “ ثم
جاء الصوت من الرجل العسكري”صباح الخير حجية “ قالها وجلس على مقعد خشبي
صغير..اخذتني الدهشة..هو عبد الكريم قاسم يطلب مني ان ابقى جالسة في عملي..ثم
قال لحميد”اريد استكان جاي “ ،وبدأ يسألنا عن حياتنا ومعيشتنا وعدد الاطفال
ومتاعب العمل في الليل،وحين نهض اخرج محفظته واخرج منها،واهدى كل منّا خمسة
دنانير،ثم دعا حميد لاصطحابه الى مبنى الوزارة،والتفت الي وقال :سوف ارسل لك
بيد حميد بطانيتين وبطانيتين لحميد واسرته..ثم تهمس ام مجيد”شلون
مانحبه..للموت ما انساه..! “.
هذا الموقف كان بعضاً من سلوك هذا العراقي الحالم بوطن حر جميل وشعب متحرر من
الخوف،يخرج في الليل ليطرد الوحشة عن الشغيلة والمتعبين ويشاركهم الحلم بصباح
مشرق بالأمل وواجبات العمل..هكذا كان سلوك الماكث في القمر اما الفاشست
فيصفوه بـ”الدكتاتور..!”؟! |