|
صدر قانون السلامة الوطنية ،
وعلت الاصوات بين متحفظ ومؤيد، وبقي البعض مراقبا صامتا لا حول ولا قوة له،
واخر لا يعرف ما ابعاد هذا القانون وقد يفكر مع نفسه ان الامر لا يعنيه ودعوا
الدولة تفعل ما تشاء وما تراه مناسبا ، لكن تبقى لوسائل الاعلام لا سيما
المطبوعة اهمية خاصة في وضع النقاط على الحروف حتى لا يختلط الحابل بالنابل
ويستوي الشريف واللص في ظل غياب القانون او تعطيله تحت ذريعة الظروف
الاستثنائية.
تخوفات العراقيين اليوم نابعة من معاناة الامس، وما لمسوه من مأسي وويلات
الاحكام العرفية السابقة، وتسلط العسكرتارية على رقابه، وتلتقي تخوفاتهم من
اخوانهم العرب من هذه الاحكام، التي غيبت عنهم الديمقراطية والحوار الايجابي
من اجل بناء اوطانهم.
هذا الامر يتقاطع جملة وتفصيلا توجهات الليبراليين العراقيين والعرب الجدد،
الذين يرمون ازالة صبغة التخلف واضطهاد وقمع حقوق الانسان في الوطن العربي،
وهي من اول المآخذ التي تؤخذ على العرب من قبل المجتمعات المتمدنة والمتقدمة
حضاريا، اذ يسعى دعاة الديمقراطية الى ردم هذه الهوة، وتفعيل دور مؤسسات
المجتمع المدني لتأخذ فضاءها الواسع في العمل الايجابي والفاعل والمؤثر في
رسم الافاق المستقبلية للعراق الجديد.
العودة الى النص
والعودة الى اصل القانون ، نعرف ان القوانين في ظل النظام السابق والانظمة
الديكتاتورية في الوطن العربي تصدر باسم الشعب، وهذا القانون صدر ايضا باسمه،
وهو لايدري شيئا،وانما بقي اسمه يستخدم ، ويكون مسوغا لاصدار كل القوانين
والقرارات التي تحد من حرياته وحقوقه وتنتهك حرمة منزله، ولا يمكنه الاعتراض
على ذلك لان القانون صدر باسمه وعليه ان يتحمل تبعة ذلك.
وجاء في المادة الاولى من قانون الدفاع عن السلامة الوطنية” لرئيس الوزراء
بعد موافقة هيئة الرئاسة بالاجماع ، اعلان حالة الطوارئ في اية منطقة من
العراق ، عند تعرض الشعب العراقي لخطر حال جسيم يهدد الافراد في حياتهم،
وناشئ من حملة مستمرة للعنف، من اي عدد من الاشخاص لمنع تشكيل حكومة واسعة
التمثيل في العراق او تعطيل المشاركة السياسة لكل العراقيين او اي غرض اخر “.
وتخوف الناس ، يكمن في القراءة الفاحصة لنصوص واسطر وجمل العبارات التي ضمنها
هذا القانون، فالجمل التي تمتاز بالشفافية لا تحتاج الى وقفة ، لكن يقف المرء
عند الجمل الغامضة وغير المحددة والقابلة للتأويل التي يمكن الاساءة للاخرين
في استخدامه لتحقيق اغراض بعيدة عن المصلحة الوطنية العامة، وعلى سبيل المثال
لا الحصر في هذه المادة” رقم واحد “ يمكن للمرء ان يتوقف عند” وناشئ من حملة
مستمرة للعنف، من اي عدد من الاشخاص “ وهنا” العنف “ كمصطلح غير محدد او موصف
توصيف دقيق يمكن من خلاله التمييز بين حالاته المتعددة، اذ لا يستوجب عنف في
منطقة ما او شارع ما يتسبب به مجموعة من الاشخاص قد لا يتجاوز عددهم اصابع
اليدين ، ويبقى مستمرا لعدم تدخل الوسطات في حله او ايقافه، والذي قد يتطور
الى عنف بين عشيرتين على سبيل المثال، لا يستلزم مثل هذا الامر اعلان حالة
الطوارئ، اذ يمكن لقوات الامن والشرطة او الحرس الوطني ان تطلب الامر ذلك، ثم
تاتي العبارة الاخرى في ذات المادة” او اي غرض اخر “ وهذا مصدر تخوف وقلق اخر،
اذ ما هي الاغراض الاخرى ، فهي عبارة مطاطية تدخل تحت خيمتها كل الامور
والحالات التي تسبب القلق والارهاق للمواطن وللقوى والفعاليات السياسية
العاملة في الساحة العراقية، فقد يكون خلافا بين الحكومة واحد هذه الفعاليات
والقوى السياسية يندرج تحت لواء” اي غرض اخر “ وتعلن الحكومة حال الطوارئ !.
لكن ما يطمئن هذه التخوفات تصريح رئيس الحكومة” اصدرنا القانون لكننا لا
نتمنى تطبيقه “ او بمعنى اخر لا نضطر الى تطبيقه “ ، اذ ان النص لا يحضرنا
هنا ، ولكن يبقى سريان القانون فوق التصريحات والتمنيات والتخوفات والتحفظات.
عودة اخرى
نعود مرة اخرى الى تصريحات وزير العدل وحقوق الانسان في المؤتمر الصحفي الذي
اعلن فيه المصادقة على نص القانون اذ قال مالك دوهان الحسن، ان العمل سينتهي
بقانون السلامة الوطنية حال قيام جمعية وطنية ، ترى ان هذا القانون لم يعد
ضروريا “. وهذا يعني سريان هذا القانون حتى نهاية كانون الاول من هذا العام
او نهاية كانون الثاني من العام المقبل والتي ستكون ابعد وقت لاجراء
الانتخابات ، ويفهم من هذا القول ايضا امكانية سريانه حتى نهاية عام 2005 اذا
ما رأت الحكومة الانتقالية ضرورة الابقاء عليه لحين تعيين حكومة منتخبة.
واشار وزير العدل ايضا الى ان القانون مطلوب لمنع الارهابيين من عرقلة جهود
العراق للاعداد للانتخابات المقررة “. اذ انه يقر ان هذا القانون وضع” لمنع
الارهاب “ من اجل” الانتخابات “ في حين تقول الجملة التالية الاتي” ندرك بوعي
ان هذا القانون قد يؤدي الى تحقيق بعض القيود على المواطن العراقي ، لكنه في
الوقت نفسه سيوفر كل الضمانات التي تحمي المواطن العراقي من تعسف الادارة ،
وانه وجد ليحقق كل الضمانات التي تحمي المواطن “.
وهذه العبارة بالذات لا تعليق لدينا عليها، لانها بحق تحتاج الى ايضاحات
محددة من وزير العدل لاقناع المواطن بها، ايضاحات تحدد الضمانات ، وكيفية
السبل التي تحمي المواطن من تعسف الادارة في تطبيق هذا القانون،.
وما هي الاضرار التي يتسببها هذا القانون في حال تطبيقه للمواطن والاقتصاد
الوطني، وما هي الحريات التي يقيدها او يصادرها هذا القانون، وامور اخرى
كثيرة تحتاج الى ايضاح حقيقي لا ان يعاد تكرار الحديث عن فقرات القانون الذي
بات معلنا.وقال بختيار امين وزير حقوق الانسان في نفس المؤتمر رأيا، اثار
حفيظة الكثير من العراقيين مواطنين وسياسيين اذ منهم من قوله امكانية استثناء
كردستان من تطبيقات هذا القانون الا بالتوافق والتنسيق مع حكومة الاقليم، اذ
قال” ان هذا القانون لا يختلف في مضمونه عن القوانين المشابه المطبقة في
فرنسا واميركا “. واضاف” انه اذا اريد تطبيقه في منطقة كردستان الشمالية
فسيتم ذلك بالتوافق والتنسيق مع حكومة كردستان “.
تحفظات
نبدأ اولا من افتتاحية صحيفة” الغارديان “ الرئيسة والتي كرستها لهذا الموضوع
، تقول الصحيفة” ان قوانين الطوارئ ليست غريبة على الشرق الاوسط ، فقد ظلت
مفروضة وعلى مدى عقود في سورية ومصر، وهي توضع لقمع حقوق الانسان الذي طالما
انتقد العالم العربي بسببه، اذ عادة ما تختار الحكومات القضاة بعناية للتأكد
من اصدار احكام بادانة المتهمين في محاكم خاصة.
ومن ثم فان تعريف ما يمكن ان يكون قانون طوارئ يمكن ان يكون مسألة مطاطة يمكن
ان تستغل حسب الحاجة والظرف “.
ولدى عدد كبير من رجال القانون تحفظات كثيرة على هذا القانون ، فمنهم يرى، ان
هذا القانون ، حد من الحريات السياسية والشخصية للمواطنين ويقيد حرية الصحافة
والنشر ، ورأى فيه البعض الاخر انه عطل القانون الجنائي العادي وكرس جميع
السلطات” التشريعية والقضائية والتنفيذية في سلطة واحدة هي سلطة رئيس الوزراء
وهو ما يعني ايضا الاستمرار في تهميش القضاء العراقي منذ” 35 “ عاما وحتى
الوقت الحاضر ، في حين قال اخر ان جمع السلطات والصلاحيات بيد رئيس الوزراء
تحت ذريعة الظروف الاستثنائية يعبد الطريق دون ادنى شك الى الدكتاتورية ونعود
ثانية الى دوامة العنف والعنف المضاد.وابدى عدد اخر تخوفاته وشكوكه من تشكيلة
الاجراءات ، اذ قالوا” نخشى ان تكون عمليةى عرض القرارات والاوامر بتوقيف
اوحجز الاشخاص والاموال على قاضي التحقيق خلال 24 ساعة”شكلية “ ولمجرد اضفاء
الشرعية القانونية على تلك القرارات،كما كان عليه الحال أبان النظام
السابق،في حين أبدى آخرون اعتراضهم على هذا القانون،اذ انه يخالف ما نص عليه
قانون ادارة الدولة في فصل السلطات.واكد عراقيون مقتهم وكرههم لهذه القوانين
في اي مكان في العالم حيث عاشوا تعسفها وظلمها،في حين رأى البعض في هذا
القانون جوانب ايجابية لحفظ الامن وضمان سلامة المواطن وممتلكاته من عبث
العابثين،وشددوا على ضرورة استتباب الامن في ربوع العراق،وان لايستخدم الامن
وانفلاته كذريعة لغرض مثل هذه القوانين،اذ انه في كل الاحوال ليس مقبولاً
اعلان حالة استثنائية تحت ذريعة معالجة الاوضاع الامنية لتحقيق الاستقرار
والامن،فما يساعد على استقرار هذا الوضع هو اعادة المجرمين العاديين الذين
اطلق سراحهم النظام السابق وهم بالآلاف الى سجونهم ومنح القضاء العراقي حرية
العمل لتطبيق التشريعات النافذة على الخارجين عن القانون.
الطوارئ والانتخابات
حالة الطوارئ،تقيّد للحريات الشخصية،وهي بذلك تقيد ممارسة الانسان لحقوقه
التي يكفلها القانون او الدستور،وبذلك تعطل كل اشكال الممارسات
الديمقراطية،لكن المادة”12 “ من هذا القانون نصت الآتي:”لايجوز استخدام اية
مادة من هذا الامر لتعطيل الانتخابات في المدة المحددة في قانون ادارة الدولة
للفترة الانتقالية.ويجب على الحكومة المؤقتة الالتزام بواجبها الاساسي لتهيئة
الاجواء الامنية المناسبة لاجراء الانتخابات في موعدها “ .وهذا النص لاغبار
عليه ولالبس فيه كما يقال،ولكن يخشى انصار اشاعة الديمقراطية في العراق ان
يتغلب نص قانون السلامة الوطنية العامة على نص قانون ادارة الدولة العراقية
في المرحلة الانتقالية،وهذه الخشية لها ما يبررها قانونياً،ومن متن قانون
السلامة ونصوص وروحه ايضاً،فالتكييف القانوني متوفر على ارض الواقع، وهو
استمرار تدهور الوضع الامني.اذ لم تكن الحكومة راغبة في الاعتراف بتحسنه
لأسباب خاصة بها،او تحت ذريعة وجود بؤر توتر وعنف في مناطق مختلفة من
العراق،سواء كانت تلك البؤر فردية أو جماعية،متواصلة أم عرضية،فكل شيء وبحكم
القانون مرهون بقناعات الحكومة وفق تفسيرها لهذا القانون والظروف والمستجدات
اللاحقة التي يمكن ان تحدث حتى موعد الانتخابات المقبلة،ويبقى تخوف دعاة
الديمقراطية قائماً اذ لايمكن ان تجتمع العسكرة للاجواء المجتمعية مع
الديمقراطية التي يراد اشاعتها في المجتمع فكراً وثقافة وممارسة. |