محلات بغداد اسماء ورموز             الوحدة الوطنية في بلاد سومر            تقرير التنمية البشرية اغفل العراق .. ولكن!             المؤتمر الوطني... دعوة لتأسيس قاعدة ديمقراطية                   لا نقبل الأعذار           حزب البعث          

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

 

اغتراب المثقف العراقي

 
 

عيسى الصباغ:
تعد الثقافة من البنى الفوقية، وهي حاصل طبيعي لجملة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، ويشكل البحث المعرفي مظهراً فاعلاً من مظاهر الثقافة السائدة في هذا البلد او ذاك، ويبدو مستحيلاً او شبه مستحيل ان ينقطع هذا البحث عن جذوره التاريخية. والحقيقة ان المعارف القومية تنمو وتتطور بوسائل واشكال متباينة تمليها قوانين ذات طبيعة موضوعية واخرى ذاتية او داخلية، والاخيرة هي التي تضفي الطوابع المحلية والوطنية على النشاط المعرفي.
من المؤكد ان تجاوز هذه الطوابع او تجاهلها انما يشيع الفوضى في الثقافة الوطنية، ويمسخ محليتها، مما يجعلها تطفو في واقع غريب عنها. لقد وجد مثل هذا المسخ تمثلات كثيرة في واقعنا الثقافي، وبدا ان الحديث عن مصطلحات مثل صراع الحضارات او الحوار الحضاري انما هو من قبيل تزيين المجالس او محاولة اضفاء الشرعية على ثقافتنا المعاصرة. ذلك ان المثقف لا يعد مثقفاً اذا لم يتسن له حفظ قائمة طويلة من اسماء الفلاسفة والادباء والشعراء الغربيين، وقائمة اخرى من عناوين الكتب والتيارات الفكرية التي فرضت وجودها في الجامعات والاوساط المعنية بالمعرفة في تلك الاصقاع. لقد بات مثقفنا يستمد كيانه الثقافي وينسج معارفه من الفتات المتساقط من مائدة العلوم الغربية، وما انكفأ من صحونها في ايما حقل معرفي متداول هناك. لقد شكل ذلك لديه مصدراً في تقويم نتاجاتنا الادبية والفكرية، وفي تسويقها ايضاً.
ان من اللافت للنظر حقاً ان نجد ان المقالة او الدراسة التي لا تحتوي على شيء من تلكما القائمتين تصبح فرص نشرهما في صحفنا قليلة، وربما تتلاشى، اما المقالات التي تتناول موروثنا في مجالات الادب والفكر فان نشرها يبدو عصياً، وغالباً ما يلفها الاهمال او يطويها النسيان. لقد اصبح من العسير ابتكار منهجيات نقدية تستند الى تراثنا ومقوماته في هذا المضمار ما دامت خطواتها الاولى او بداياتها لا تلقى الدعم اللازم، ولا تكاد تجد مساحة- مهما صغرت- في صحفنا المحلية ذات الشأن، ومع كل هذا نقرأ ونسمع ان الساحة الادبية تفتقر الى مناهج وآليات نقدية ترتكز في منطلقاتها على ما قرره النقاد العرب القدامى، سواء أكان اولئك النقاد بلاغيين ام نحويين ام كلاهما معاً، والغريب في الامر ان الكثير من معاصرينا المثقفين يكاد يجهل العلاقة بين النقد والعلوم العربية الاخرى، وفي الغالب لم يسمع بالنقد اللغوي، وان سمع به لم يدر طبيعته وكيفيات عمله في الحقل الادبي، ولا اريد الحديث عن هذا المنهج هنا، فلذلك مكان آخر، ولكن ما اود قوله هنا ان المقالات ذات الطابع التنظيري او التطبيقي التي تستمد مقولاتها من اعلام عرب كالخطيب القزويني وابن يعقوب المغربي والزجاج والمبرد وابن خلدون غالباً ما تجابه بالاستهجان والعزوف والاهمال، لا لشيء الا لأنها بنت تصوراتها ومعاييرها على هذه الاسماء العربية.
وخلاف ذلك نلاحظ ان الجهد النقدي المرتبط بأسماء غريبة كميشيل فوكو وغريماس وجاكوبسن ودريدا يستقبل بفروض الطاعة والاحترام.
ازاء ذلك ازعم ان مثقفنا يحاول العوم في شواطئ- وليس بحاراً- غربية وانه يتلقى ما تقذف به امواجها بكثير من الاعجاب والامتنان، مؤكداً ضياع هويته واغتراب كيانه الحضاري. ولكي لا يذهب الظن بعيداً بالقارئ فيحسب ان ما اقوله دعوة لمقاطعة المنجز الغربي والتخلي عن التواصل مع الآخر، اسارع فأقول ان مصطلح الحوار الحضاري الذي يسود اوساطنا الثقافية وتردده الالسن يفترض لنا- كما يفترض للآخر- كينونة حضارية فاعلة وقادرة على مواجهة الآخر، وهي تمتلك تاريخاً معرفياً يمهد لها سبل التواصل معه نداً لند. فالتواصل او الحوار او الصراع او اية تسمية اخرى من هذا القبيل لا تكتمل اشتراطاتها الا بوضع الثقة بتاريخنا المعرفي ذاك، وقراءة منجزه وتقديم اعلامه، واعتقد ان حيازة التقدير متوقفة على هذه الثقة.

 
 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM