|
عباس لطيف /
منذ الاستهلالات والمخاضات الاولى حاول الخطاب الروائي العربي ان يكتسب هويته
وخصوصيته عبر التاصل والمغايرة بالتعبير عن الواقع العربي في محاولة محتدمة
وقائمة للانفصال عن” تبعيته “ لهذا النوع الادبي الذي يجزم بعضهم بانه فن واحد
في حين يتجاوز من يتجاوز هذا التصور في احالة استنطاقية لمجمل الموروث السردي
العربي وان النموذج الروائي العربي المعاصر لم يظهر في المشهد على وفق مرجعية
احادية فليس هو نتاج” نقلي “ وفوتوغرافي النموذج الروائي الغربي تحديدا وليس
امتدادا تتويجيا للسرديات العربية بصورة متطابقة .
ولعل الموازنة بين التوجهين تفصح عن اقتراح لمقاربة موضوعية لاترجح يقينية
ونهائية التوجه الاول على حساب التوجه الاخر .
وعلى وفق منطلق بان النموذج الروائي الغربي لم ينبثق حاملا اشتراطاته الفنية
مرة واحدة بل كان - كما هو الحال في كل نماذج الرواية في العالم - خلقا فنيا
متدرجا وتشير تاريخية تجربته الى منحنيات واضافات وتطورات تضاريسية متصاعدة
سواء على مستوى الشكل ام المادة ام الاسلوب فاعمال دانتي وسرفاتس وحتى الهيكلية
البلزاكية لاتطابق منطق الحتمية التطورية داخل مختبرات النوع الاجناسي الواحد
نقول لاتطابق اعمال امبروتو ايكو وميلان كونديرا ولاحتى اعمال كافكا وفوكنر
وشتاينبك .
ولعل النموذج الغربي في كل مراحله وتحولاته لم يكن وليد الاشتغال او الاستثمار
الاحادي بل يمكن تشغيل الكثير من محفزاته وينابيعه والمؤثرات التي اسهمت في
تشكله وتناميه بدءا من المدونات الاوربية والميثولوجيا الاغريقية والسرديات
العربية .
ولذا يصبح الحديث عن تناصات النوع ليس دحضا للاصالة والابتكار بل قد يصل الامر
الى اقرار احد قوانين التشكل والتلاقح والتخرج على المستويين المعرفي والجمالي
.
وهذه المسالة بقدر ما تثير من الحساسية وترحيل معانيها وتلميحاتها الى حد اثارة
موضوعات وجوانب تشمل التضمين والاقتباس والافادة والتمثل والتناص وحتى قضية
السرقة الادبية التي تحدث عنها النقاد العرب القدامى لكنها استنادا الى الفهم
المتقدم بحتمية التخارج والتناص وتنافذ المؤثرات تصبح قضية لاتثير لدى المرء
اهتماما يذكر بقدر ما تثيره الخلاصة النوعية وزاوية النظر التي ينبثق منها
العمل والبؤرة الاستكشافية التي يتجه اليها .
ومن المهم والضروري ان ينسحب هذا الفهم الى القراءات النقدية فأشكالية الاحالة
الى المرجعيات والبحث عن ترحيل العمل الادبي الى صادرة مؤثراته باتت تمثل حجر
الزاوية في خضم العلاقة التي تربط الابداع بالنقد وفي كل بقاع العالم يتم
التطرق الى مثل هذه الفكرة كونها اشارة اشتغالية واجرائية ليس الهدف منها الغاء
المنجز بكليته وتعليقه على شماعة” التأثر “ و” السرقة “و” التقليد “ في محاولة
لهدم اصالته وتفريغه من اهميته ويصبح بعد ذلك التهميش مثار قطيعة بين مرسل النص
وبين المعاينة النقدية يقول احد الادباء لو ان لي روائي يعيد كتابة روايته
لايمكن ان تكون الكتابة الثابتة مطابقة تماما للمرة الاولى فالمبدع لاينزل
النهر مرتين كاستعارة مجازية لتلك المقولة الاغريقية القديمة .
ان المنطق القصدي القائم على وضع الاسبقيات والتصورات القبلية والحفر عن
المتشابه بين النصوص لم يعد وحده المجد الذي ترتكز عليه العملية النقدية التي
اصبح لها فضاءات واشتغالات اخرى لاستنكاه مدخرات المنجز والسعي لترسيخ مبدأ
تعدد مستويات القراءة وصولا الى الرؤية التأويلية واستثمار طاقات للايحاء
وانجاز اكثر من معنى للعمل الروائي بعيدا عن مقارنته باعمال اخرى لم يتردد
ماركيز في تأثره باعمال كافكا بل ان ناقدا روسيا ذهب الى اقصى معاني الاحالة
حين رسم القصة الروسية بانها خرجت من معطف غوغول .
ان الرواية بكل انساقها السدية ودلالاتها الالية تمثل نموذجا لمنطق العمل الفني
الذي حاز على كينونته وصيرورته وانه كنموذج اخضع كل المتاح ليستخلص نمذجة وصورة
لا تشبه في كل الاحوال والقوانين صورة اخرى وليس المصور وحده يعجز ان يلتقط
صورتين متطابقتين تماما . وربما تثير هذه الافكار اهمية النظر الى مثل هذه
الاشكاليات على اساس ان الابداع عبارة عن تشكل جدلي يقوم على ثنائيات كثيرة
ويستند على مدركات وحدوسات ظاهرة او مستترة من بينها الاستتار على ثنائية
المعلوم المجهول ولكي تصل الى نضج في التوصيل للمتلقي فمن المهم ان تتجمع
مبثوثات معلومة لتكون معطيات كلية فالمعلوم جزئية تتشاكل وتشتبك بغية الوصول
الى اقتراح جديد يمثل العلامة الفارقة لنموذجية المنجز . |