ما بعد التجريب في المسرح العراقي             فازلاف نجنسكي..جنون في رقصة الحرب             الرقيب الماكر .. والكاتب المخدوع             بـيـن دجـلـة وبـغـداد...وشـائـج مـن المـاء يغذيهـا عبـق التاريخ واصالة البغـداديـين           مدير جهاز الامن : تحديات كبيرة تواجه العراق               مؤتمر السليمانية... يناقش اوضاع الكهرباء في سبع محافظات               وزير المالية لـ ” الصباح“               في ضيافة ”الصباح “ الدكتور محمد الغبان             محطات رياضية...الاندية العربية تخمس عقودنا

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

 

الرقيب الماكر .. والكاتب المخدوع
في:” أدب المنازلة الكبرى “ و” قادسية صدام “ و” ثقافة ضد الحصار “

 

توفيق التميمي

 

لم تكتف السلطة السابقة وادارتها الثقافية باستغلال الوضع المهين والبؤس الاجتماعي وحالات العوز التي سببتها هذه السلطة للمثقف والمبدع العراقي الذي اجبرته الظروف والمُسببات على البقاء ومواجهة حالات التوريط الدعائي لسياساتها العدوانية وتوظيف ادوات الابداع لدى هؤلاء المثقفين في مشروعها العدواني وثقافتها الدعائية.وبالتالي ادت بهم الى الانخراط والوقوع في الافخاخ التي نصبتها سلطة الثقافة لمبدعين عراقيين لهم السيرة الوطنية والمنجز الابداعي المتألق. وكانت الاسباب التي يعلنها هؤلاء المبدعون للدفاع عن هذا التوريط هي حالات العوز والفاقة وعدم وجود حرفة او مهنة بديلة يجيدها المبدع تدفع عنه غائلة الجوع وتمنع سقوطه في حبائل السلطة ومغريات جوائزها السخية ومسابقاتها المتوالية.
فكان الخيار صعبا والامتحان عسيراً ما بين ان يبقى المبدع والمثقف معزولا وجائعاً ومهمشاً وما بين الاضطرار في المشاركة في الانتاج الدعائي للسلطة والدخول في تأريخ كتابها وثقافتها وربما كان البعض معذوراً في خيار بيع ممكناته مقابل قوت اطفاله وكسوتهم.
وتتيجة لهذا الخيار الصعب والابتزاز الذي مارسته ادارة الثقافة السابقة ازاء المثقف والمبدع العراقي بأن يكتب نصوصاً خارج عن ارادته الابداعية ومخالفة لآرائه الخاصة . مما جعله يصطنع اساليب ماكرةومراوغة لاستمالة الرقيب الذي يجيز نصه الابداعي كتوطئة اولية لحصوله على الجائزة المغرية التي سيتنافس عليها عدد من زملائه المبدعين الذين يشاطرونه نفس الهم الثقافي والمحنة القاسية.
ولاستكمال عناصر هذه اللعبة الخبيثة من قبل مؤسسة النظام الثقافية.. والامعان في اذلال هؤلاء المبدعين وتسقيطهم تأريخياً .. عمدت عن طريق مرتزقتها وجلاديها من الوسط الثقافي، في توثيق هذه النصوص وارشفتها فيما عرف بـ” القصص الفائزة بقادسية صدام المجيدة “،و”أدب المنازلة الكبرى ام المعارك “و” ثقافة ضد الحصار “...
حتى تمخضت هذه اللعبة عن اصدار كتاب بثلاثين مجلداً يحتوي على اسماء جميع الادباء الذين ساهموا في الكتابة بشتى مجالاتها” ولو بعمود صغير “ في هذا السياق التعبوي .. مرتبين حسب الحروف الهجائية للكتاب والصحفيين والادباء والمثقفين العراقيين.. سمي هذا المعجم التأريخي.”بمعجم أدباء القادسية وام المعارك “ ..
وبالنظرة السريعة لهذا المعجم المشبوه .. نجد مقدار الخلط مابين الكتاب المبدعين الذين كتبوا للحصول على مغانم كانوا بحاجة اليها او اتقاء لشر سلطة كانت تطارد الجميع على الشبهه والظنون... وما بين من تمرس وتخصص في كتابة الاعمدة التجريبية للطاغية والقصائد العصماء والادب التعبوي..
هكذا اختلطت الاوراق فوضع اولئك وهؤلاء في سلةٍ واحدة امام ذمة التاريخ وكان من الواضح ان السلطة كانت عامدة وواعية لما تفعله عندما فهرست اسماء من كتبوا في سياقاتها الثقافية بغض النظر عن حجم ونوعية هذه المشاركة وطبيعتها.
وفي الوقت الذي كانت فيه السلطة تعتبر هذه القوائم والفهارس والمصنفات وسيلة للفرز وقاعدة تصنف على اساسها الكاتب الذي كان معها والكاتب الذي يعتبر مضاداً ومخالفاً ولو بصمته او عدم مشاركته لمثل هذه المسابقات والانساق الثقافية .
كانت هذه القوائم تمثل مصيدةً اسقطت في شباكها الكثير من الاسماء النزيهة عندما اعتقدت ان هذه المصنفات والكتب الموثقة هي السبيل الوحيد للتزكية امام مخبري الثقافة السريين او للحصول على مكرمات السلطة من الراتب الشهري وفرصة” اللقاء التاريخي “ بقصائد هذه المكرمات ونيل المكافأت الكبرى في هذه اللقاءات.
والان ونحن نستعد لطي هذه الصفحة السوداء بكل تعقيداتها وملابساتها وتعدد ادوار الرقيب وسلسلته التي لاتنتهي.. بودنا ايضاَ طي هذه المصنفات والمفهرسات التي تملأ الشوارع وارصفة الكتب.وذلك تقديراً منا للظروف الضاغطة على المبدع العراقي آنذاك وقدرة السلطة الماكرة ودهائها وتمرسها في اساليب اسقاط المثقف وثلم كبريائه الابداعية.. وتوظيف ادواته لاغراضها الدعائية واهدافها الدنيئة في تجميل مشروعها العدواني وابراز مشروعيه حروبها العدوانية...
من خلال هذه السلسلة المشبوهة التي بدأت بقصائد و قصص من لهيب القادسية حتى أدب المنازلة الكبرى.. وانتهت بسلسلة” ثقافة الحصار “ ولكن ما يدعونا لاثارة هذا الموضوع البالغ الحساسية هي تلك المفارقة التي تتجلى في دعوة بعض من هؤلاء المبدعين والذين لانشك في مواقفهم الوطنية ولا في اخلاصهم لقضية وطنهم ولا في منجزهم الابداعي نفسه دعوتهم الغريبة في الدفاع عن نصوصهم المشاركة في هذه المسابقات حتى هذه اللحظة .. التي نعتبر فيها مثل هذه المسابقات صفحات سود في تاريخ الثقافة العراقية ينبغي حرقها وتلفها.. يعتبرون هذه المشاركة تحديا للرقيب والسلطة معاً.. ولهذا فان هذه النصوص هي مصدر للمباهاة والزهو في اختراق سلسلة الرقباء.. وانتزاع اعترافهم بقدرتهم وادواتهم الابداعية. اكاد اقف مصعوقا لهذا التبرير الذي يرسخ داء الفصام والشيزوفرينيا في الثقافة العراقية التي تمخضت عن” ثقافة العنف “ تحديدا التي عالجها الكاتب المبدع” سلام عبود “ ..
وانا ارى ان هذه التبريرات التي لا تستند الى منطق او دليل لا تنطلق الا من مواقع العزة بالاثم .. والتي تؤدي دون ان تشعر او تدرك.. بتزكية” الرقيب الصدامي “ واظهاره بالمظهر الانساني بل وحتى البطولي حينما يتغاضى عن نصوص تعارض اهداف وغايات المسابقات التعبوية وتخالف الغايات التي اعدت من اجلها هذه المسابقات وخصصت لها الملايين من خزينة الدولة . وفي هذه الحالة يكون الرقيب الصدامي ، الماكر بريئا مما ينسب اليه من قمع ومصادرة والمعروف عنه باجادته لمواصفات الترصد والتلصص والانتهاك السافر للغة النصوص المشفرة والمرمزة كما معروف عن انه ماهر يقظ فيما يتعلق بالموحيات المعارضة للسلطة .
وهل من المعقول ان هذا الرقيب لا يدرك عواقب التساهل والتغافل عن النصوص المعارضة التي تشترك في مسابقاته التعبوية وتحصد الجوائز الاولى .
وبعيدا عن هذه المغالطة المفضوحة ما بين اديب يدعى طهارة النص وبراءته و رقيب يرشحه لفوز بجوائز السلطة ويضمه برضاه او عدمه لقائمة كتابه التقليديين ..
فهل من المعقول ان الاديب نفسه الذي يكون قد تفرغ زمنيا وتهيأ نفسياً لكتابة نصوصه المشاركة في مثل هذه المسابقات.. قد تجاوز الاسئلة الصعبة التي يوجهها المبدع لذاته .. قبل ان يتورط في مثل هذه اللعبة التي سينال عليها المكافأت من قبل السلطة وستفضحه فيما بعد كتب التوثيق والارشفة والمصنفات التي تصدرها مؤسسة النظام.. وقطعا سيكون احد هذه الاسئلة واهمها ..
كيف سيكون حكم التاريخ على انتاجي الابداعي في ظل هكذا مسابقات مشبوهة الغايات .. دنيئة النوايـا ؟
وماذا تقول الاجيال حينما تطالع اسماء محترمة في الادب والثقافة.. قد دونتها مصنفات السلطة” ومعاجمها “ ؟.
ومن المفروض ان تكون هذه الاسئلة معذبة مقلقة.. لاولئك الذين افترض بهم انهم لم يدخلوا الى هذه اللعبة من باب التمجيد او التملق بل من باب قلة الحيلة وبؤس الحال وهي اسباب مشروعة وتظل مشروعة لحدود عدم التنصل او البراءة من هذه المساهمات او المشاركات . ولكن ان يزهو الكاتب بنصه ويدافع عنه ويطالع القارئ الحصين” بقراءة داخلية “ تتجاوز الاطار والسياق الذي كتبت فيه واستحقت من اجله جوائز السلطة . فهذه مغالطة لا يقرها القارئ والناقد العراقي مطلقا الذي سيطلع على هذا التراث الاسود مرميا على ارصفة شارع المتنبي بمصير اشبه بمصير اقلامه المشبوهة والقائد الذي لاذ بالجحور هاربا مذعورا من غضب الجماهير.
كنت انتظر ان يسعى هؤلاء المبدعون الذين لا نشك” بوطنيتهم “ ولا في صدق مشاعرهم الحقيقية والمكبوتة ازاء النظام ولا في قيمتهم الابداعية . ويدعون الى حملات تجوب الشوارع والمكتبات وما تبقى من مخازن الكتب لاحراق هذه الكتب والمصنفات والفهارس الماكرة التي مزجت بين جهايزة الملق ومخبري النظام وجلاديه ومن بينهم من قد دخل اللعبة مضطرا تحت اكراه الفاقة والعوز .
ولرب قائل يقول : ما الجدوى من اثارة هذه القضية في هذا الوقت بالذات والذي نستعد فيه لمناخات التعايش والحوار بدل اثارة البغضاء والتشاحن بين رفاق القلم والمبدعين.. وفي الوقت الذي تتوالى فيه الدعوات المشروعة لفتح صفحة جديدة من تاريخ الثقافة العراقية .
اقول ان قيمة الادب واهميته تكمن بالدرجة الاساس فيما يثيره من قضايا وهموم تقترب من الهم الانساني وتعبر عنه وتنتصر لقضاياه العادلة في الحرية والكرامة ولعمري هي الاسباب التي جعلت اسماءاً كماركيز ، وبريشت ، وريمارك ، وابو القاسم الشابي.. خالدين في الذاكرة باختلاف ادواتهم وتغاير اساليبهم .
اذن فنحن نفترض غير مخطئين ان القيمة الانسانية والاخلاقية تاتي دائما قبل اية قيمة في النص الابداعي.
ولذا فالدفاع في هذا الزمن عن نصوص فصلت خصيصا لانتزاع جائزة يحرمها الشعب المظلوم وتحللها السلطة الظالمة . هو نوع من النكوص القيمي والاخلاقي الذي لابد ان نتجاوزه في اعقاب مرحلتنا الجديدة .
كما ان التساهل في مثل هذه القضية قد يفتح الباب امام المتسللين من بقايا النظام السابق لتعميم ونشر قيمهم الانتهازية من جديد.. والدليل على ذلك..ان رئيس تحرير الجريدة الادبية الوحيدة في العراق حاليا وهو من المنظرين الدؤوبين لفاشية النظام وعنصريته ومن اركانه الثقافية المهمة ..
يضع الان قانونا في جريدته تحت يافطة” التسامح والمصالحة “ بمنع نشر اية قصيدة تمس برموز النظام الفاشية او تذكر بمقابره الجماعية وانتهاكاته الوضيعة.. ويجاهر علنا بنشر نصوص ومقالات اسماء لا زالت تستفز ذاكرة الضحايا من الادباء والمثقفين والمقموعين بسلطاتهم السابقة ..

 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM