ما بعد التجريب في المسرح العراقي             فازلاف نجنسكي..جنون في رقصة الحرب             الرقيب الماكر .. والكاتب المخدوع             بـيـن دجـلـة وبـغـداد...وشـائـج مـن المـاء يغذيهـا عبـق التاريخ واصالة البغـداديـين           مدير جهاز الامن : تحديات كبيرة تواجه العراق               مؤتمر السليمانية... يناقش اوضاع الكهرباء في سبع محافظات               وزير المالية لـ ” الصباح“               في ضيافة ”الصباح “ الدكتور محمد الغبان             محطات رياضية...الاندية العربية تخمس عقودنا

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

 

صناعة الأساطير وأبعادها في توأمة الاسطورة

 

سهيل ياسين

 

يحاول المؤلف ”ظاهر شوكت البياتي“ في مدخل كتابه ”توأمة الاسطورة“ الصادر عن مركز العبادي للدراسات والنشر في صنعاء- اليمن، الخروج عن المفهوم التقليدي للاسطورة واعلان بطلانها كفن خيال جمعي في مرحلة الطفولة من تاريخ البشرية، مشيراً الى وجود صناعة فن اسطوري جديد وامكانية ديمومتها ما دام الانسان باقياً على وجه البسيطة، مع التأكيد على الفرق الواضح بين الاساطير القديمة التي تعين الانسان على التأمل والتفسير والعيش بانسجام على الاساطير الحديثة المستغلة سياسياً لتزييف الوعي الاجتماعي في كل مناحيه، كاسطورة الزعيم الاوحد والبطل الضرورة وتصوير ارادته وتمثيلها للقانون الاسمى كشخصية مبالغ بها، التي بطبيعتها فوق الانتقاد والخطأ ابداً، وذلك ما تبدى في شخصية نابليون وهتلر وصدام الذين لاقوا هزيمتهم النكراء في نهاية المطاف، وفي فصل الاسطورة اصطلاح وهو محاولة لتعريفها نطلع على اشكال الاسطورة وصفاتها من خلال بعض المفاهيم والمصطلحات التي حاولت التقرب منها، كقول برول ريكو”هي نظم لوقائع رمزية في مجرى الزمان او تعابير مجازية تخفي أعمق المعاني، معبرة عن فلسفة كاملة لعصرها“. وكما وصفت بأنها ”نظام فكري متكامل استوعب قلق الانسان الوجودي“. اما في فصل العلاقة بين الادب والاسطورة فقد توزع بحثه في هذا المجال بين ثلاثة مواضيع: بجماليون بين الاسطورة والادب ومدخل الى اسطورة فاوست ولمحات عن الاسطورة والادب، حيث بحث في هذه الاخيرة طبيعة التلازم بين الاسطورة والادب وعدم الفصل بينهما، كما اجمع الكثيرون من دارسي الاسطورة امثال تورتروب فراي الذي عبر عن تلك العلاقة بقوله”ان الاسطورة عنصر بنائي في الادب، والادب ككل اسطورة منحولة وتنسحب هذه العلاقة بطبيعة الحال على الشعر ايضاً باعتباره السليل المباشر للاسطورة وابنها الشرعي، وفيما يتعلق بنشأة الاسطورة فقد افرد المؤلف فصلاً كاملاً وقسمه على مرحلتين، الاولى اهتمام الانسان بالظواهر الكونية: اساطير التكوين والاساطير الطقوسية، والثانية اهتمام الانسان بوجوده الاجتماعي وتكوين النظرة الفلسفية الجمالية، وظهور الاساطير الرمزية والمجازية خلالها، الى جانب اسطورة البطل الاله والاسطورة السياسية، ومن خلال دراسته أظهر المؤلف عدم موافقته في الرأي مع الذين يحاولون ايجاد منهج جاهز على الاسطورة واستخدامهم لمصطلحات متكلفة، كما يرى مبالغة كبيرة في التفسير الفرويدي، لنشأة الاسطورة وافتراضه على انها انعكاس لرغبات مكبوتة، وفيما يخص الاسطورة كوظيفة فقد عرض العديد من الآراء الجامعة على جدية وظيفتها في الجانب المعنوي والمادي ”التأمل، التفسير، فهم الحاضر، تأمين المستقبل“ وفي معرض التفصيل والبحث بين ضرورة الاسطورة قديماً وحديثاً. يقول الكاتب مؤكداً على جانب بالغ الاهمية ”اننا لا نستطيع ان نفهم الضرورة للاسطورة خارج الزمان والمكان، فهي ليست حالة جامدة ولا معزولة عن تأثيرات التطور في حياة الانسان، كما يرى عبر تحليلاته للاسطورة كضرورة مهمة في قراءة التاريخ باعتبارها السجل الامثل للفكر وواقعه في مراحله المبكرة، فهي الطاقة التخيلية التي تتأسس عليها بؤرة العلاقات الانسانية وتتخطى برودة التقنية ورمزية لغتها، تمنحنا الكشف عن مكنونات النفس، وقد حظيت موضوعة الاسطورة السياسية بأهمية كبيرة من حيث اثرها وكيفية استثمارها في العصر الحديث، واستغلالها لصالح السياسة والايديولوجيات في صناعة اساطير زائفة، تخدم مصالحها وقد شبهها بالافعى التي تحاول شل فرستها قبل ان تنقض عليها والناس يقعون في اسرها بغير ان يظهروا مقاومة جادة لها، فهم يتعرضون للهزيمة والخضوع قبل ان يدركوا ماذا حدث. وثمة استشراف جدير بالذكر حاول الكاتب استخلاصه او التنبؤ بما حدث من خراب ودمار في العراق واسطورة البطل القومي من خلال ما المح اليه في موضوعة الاسطورة سياسياً وتوصله الى حقيقة مفادها ان البلاد التي تتفاخر بتراثها الثر من الاساطير قد تحترق بنارها اذا ظهر من يتقن استغلالها في فن الدمار، كما حدث في المانيا والمعادلة قابلة للتكرار في ازمنة واماكن كثيرة من العالم.
ان احتفاء ”كتاب توأمة الاسطورة“ بمادة ثرية حافلة بالآراء والرؤى المختلفة للكثيرين من الذين بحثوا في الاسطورة والمعنيين بدراستها لم يمنع القول برصانة الدراسة وعمقها من حيث قيمتها البحثية ودرجة وعي الكاتب لأدواته واجادته في التقدير والاستنتاج عبر الافادة من مرجعياته الاساسية وتوظيفها بطريقة بعيدة عن الثقل الآلي والتجمعي، وصولاً الى صورة واضحة عن الاسطورة على الرغم من حساسيتها وخطورتها كموضوعة متشعبة، ليس من السهولة الالمام والاحاطة بها كلياً.

 
 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM