قضاء الجبايش و” بطة شنغهاي “             بهجت الجبوري: طروحات جريدة الصباح مستقرة وواضحة             ماذا تعرف عن المربوط و المربوطة؟             التربية تكمل مستلزماتها للعام الدراسي الجديد              متى ينتهي الصراع في بلادنا بين المحافظين والمجددين؟!             بسم الله الرحمن الرحيم...يا قريب الفرج            هل لديك مشكلة في الانجاب؟            معسكر خارجي للمنتخب الرديف وابعاد 3 لاعبين بعد ضم لاعبي الاولمبي

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

 

قضاء الجبايش و” بطة شنغهاي “

 

نعيم عبد مهلهل

 

الى استاذي القاص فهد الاسدي والدكتور رشيد الخيون .
امس” هالامس “ كنت في مدينة الجبايش” كان يطلق عليها فينيسيا العراق “ و رجوعا الى الوراء هي بطائح لسلالات سومرية كانت تصدر القصب الى اور ولارسا وسنكرة واورك” ويقولون ان قصب الجبايش وصل الى ارانجيا التي هي مدينة كركوك اليوم “ وان لم تصدقوا ساضيف اليكم معلومة جديدة: ان ارمينيا كانت تصدر لأور الاحجار الكريمة والطيب، واور تصدر لها قصب الجبايش كي يصنع منها رعاة الجبال الارمينية ناياتهم .
منذ ان اطلق المدفع العراقي او الايراني قذيفة المخافر في هيلة وفريال وزرباطية وزين القوس والى دخول المارينز بكامل عدتهم” بغداد الشعراء والصور “ تحول حلم القصب والماء والشلب ومواويل السمك وابوذية مجيد جاسم الخيون الى خراب يدخل السعادة في قلب اليوت.. تحولت المدينة الى بقرة من دون ضرع .. لم تعد تمنح الوطن الشبوط والخريط وسباقات المشاحيف وتنانير الخبز والبواري والسوابيط وربما الزئبق الاحمر .. بل بقيت تمنح الوطن” الشهداء فقط واكثر ما ابتلى من هذه المصيبة” بنو اسد بافخاذهم الكثيرة “ ومعهم عشائر المنطقة كلها .. شهداء من حجابات نهر جاسم وشهداء من سجن رقم 4 وشهداء من قواويش الامن العامة، واخرين جاؤوا بسيارات اجرة ولكن بنعوش ملفوفة بعلم” وعدة دنانير “ هي تكلفة اقامة الفاتحة، قادمين من كرد مند وميمك وبحيرة الاسماك حد الذي جعل اماً تقول لولدها القادم نعشا من بحيرة الاسماك : كيف ينتصر السمك عليك وانت ما اخطأته يوما بفالتك ؟
رد عليها الشهيد من خلال حركة جفنيه: امي كان السمك حينها يمسك قاذفة ار بي جي 7 .
تحيط الاهوار بمدينة الجبايش كحزام يلف خاصرة الجسد بقوة . كان هذا قبل التجفيف، اما اليوم فرغم ان بعض السداد قد دمرت وبدأ الماء يمشي صوب المدينة لكنه مشيا بطيئا، صانعا بعض الاشكالات الاجتماعية قد يتضرر منه البعض، لان الاراضي المجففة في بعض من اجزائها زرعت بالحنطة والشعير لهذا لايتمنى اصحاب هذه الحقول بعودة الماء الى اماكنه الازلية كي لا تتلف حقولهم ولكن في حسابات الربح والخسارة فان موت حقل افضل بكثير من موت مدينة، فالمدينة تكاد تكون شبه فارغة، من يعيش فيها الان اولئك الذين ارتضوا البقاء رغم صعوبة الحياة، كان الماء الحلو مفقودا والكهرباء لا تاتي الا في ساعات قليلة من الليل فقط واتذكر ان احد الحزبيين رفق تقريرا لمنظمته بان احد البيوتات في المدينة جلب مولدا من ايران لتشغيل التلفزيون حتى يتجمع الشباب عنده كي يروا مباراة كاس العالم الاخيرة في اليابان، وعد التقرير فعل هذا المواطن: ان ايران تريد ان تكسب شبابنا، ولا ادري اليوم ما هو مصير مولد الكهرباء وصاحبه؟ غير ان الكثير من اهلها ارتضوا الهجرة وقال احد ابنائها : مدينة دون شبوط لا تسمى مدينة وكأن هذا الحيوان المائي الذي يقدسه اليابانيون صار سرا من اسرار المدينة، لهذا بدات القوافل تنزح الى المدن الاخرى حاملة معها حزن المنفى ودموع ان تفارق بيت الطفولة والقصب وطيور الخضيري والبط الصيني القادم في مواسم الشتاء من شنغهاي فيما ترتبط الجبايش بمدينة استوكهولم ارتباطا لا يعرفه الجميع لكنني اكتشفته ذات مرة عندما وجدت ختماً معدنياً لمعهد يعتني بهجرات الطيور مثبتا بقدم طائر السنونو الذي نسميه في الجنوب” العلوية “ بسبب لونه الاسود وقتها عرفت ان هذا الطائر الجميل جاء الى مشتاه في الهور من مدن البلطيق وقتها قلت لمعلمي المدرسة التي عينت بها: انظروا توحد الخليقة ها هو السنونو جاء من القطب ليعيش هنا .
هاجر اهل المدينة هجرات جماعية وحدهم الموظفون بقوا والجنود المطوعون ووكلاء المواد الغذائية واناس ربما كانت الهجرة بالنسبة لهم عودة ثانية لتغربية بني هلال لهذا كان الموت في مدينتهم ارحم واجمل من جنة المنفى، لا سيما ان هذا المنفى لم يكن سوى نسخة اكبر من حزن الجبايش، فالمدن الذاهبين اليها هي ايضا مدن مغيبة، كالديوانية والناصرية والاحياء الفقيرة في بغداد والنجف وكربلاء حيث الكثير منهم سكن” ناحية الحر “ .
البهجة في مقالتي التي لخصت فيها وعي المدينة عبر تواريخ سريعة، اني وجدت في السوق قبل ايام من يبيع البط الصيني فرحت كمن يعثر على لقية ضائعة : البط الصيني في بيتنا .. يا مرحبا يا مرحبا ..
اذن لقد بدأ الماء ينشر بسيطته السومرية على الجبايش وبدأ القصب يعيد وقفته الشامخة بين رقصات السمك وعاد الطير ياتي الينا ولكني لست بزي ارهابي ودون تاشيرة سفر وتكريما لهذه الصورة قررت ان اشتري واحدة واطلق سراحها من اسرها الحزين لتعود الى مشتاها بين القصب والماء وكان ثمن الواحدة 3 الاف دينار وقبل ان اطلقها من السوق باتجاه الهور انتبهت الى قرص معدني ربط في ساق البطة الدامعة وحين قرأته كان ختم معهد شنغهاي للطيور موجودا وتاريخه قبل شهر من الان.
- ياإلهي بين الجبايش وشنغهاي مسافة شهر بطيران البط .
فرحت وربما دمعت عيناي، لم افعل شيئا قبل ان اطلق بطتي للفضاء الفسيح سوى ان همست لها: اهلا .. اهلا.. ببطة شنغهاي .!

 

 

 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM