قضاء الجبايش و” بطة شنغهاي “             بهجت الجبوري: طروحات جريدة الصباح مستقرة وواضحة             ماذا تعرف عن المربوط و المربوطة؟             التربية تكمل مستلزماتها للعام الدراسي الجديد              متى ينتهي الصراع في بلادنا بين المحافظين والمجددين؟!             بسم الله الرحمن الرحيم...يا قريب الفرج            هل لديك مشكلة في الانجاب؟            معسكر خارجي للمنتخب الرديف وابعاد 3 لاعبين بعد ضم لاعبي الاولمبي

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

 

جاسم الزبيدي
الضمير الحي والوعي المتفتح

 
 

فؤاد شاكر

 
 

يجمع النقاد المهتمون في حقل الثقافة والفن على ان الفنان الفوتوغرافي الراحل جاسم الزبيدي” 1940 “ الذي ودع الحياة منتصف اذار 1992 عن عمر ناهز الثالثة والخمسين عاما بعد رحلة طويلة قاربت الربع قرن من الزمان امضاها مع الكاميرا والموت هو واحد من اكفأ المصورين الصحفيين من بين ابناء جيله الذين عاصروه. ويبدوا ان هذا الرأي وغيره من الانطباعات الايجابية الواردة في اغلب دراساتهم وتحليلاتهم النقدية لعالمه الابداعي واسلوبه المميز بجانب اهتماماته برصد مفرادات الواقع وتغطية حدث الحياة فوتوغرافيا لم تتبلور تأسيا بماحققه هذا الفنان من انجازات ومشاريع ابداعية كانت وماتزال على قدر كبير من الاهمية وحسب انما جاءت هذه الشهادات القيمة لتؤكد من جانب ما كان يتمتع به من كفاءة نادرة ومايتفوق به من ذكاء وسعة افق واستبصار شمولي بجانب تغطية الضمير ونقاء الروح وتفرد الرؤيا.
واذا كانت الاراء ووجهات النظر المتعددة كلها تلتقي لتتفق على هذه الحقيقة فان مايمكن اضافته فوق ذلك هنا هو مايتصل بطبيعة اهتمامات وافكار هذا الفنان الذي لعب دورا مهما ومؤثرا في اغناء الحركة الفنية الفوتوغرافية مثلما اسهم في تطورها وتأكيد هويتها بشكل حقيقي ملموس من خلال عطائه المتواصل وانجازاته الكبيرة.
* لقد بقي جاسم يبحث ولم يتوقف في البحث عن المعنى والجوهر الحقيقي في اغلب المفردات والمشاهد التي استوقفته في حياته، ولم يكن يكترث بالمظاهر والاشياء السطحية والمزوقة، ومن هنا استطاع ان يربط الفوتوغراف باكثر القضايا حساسية ووضع على كل ما كان يشيد الابصار ويؤثر في النفس والاحساس وقبل ذلك ما كان يؤثر فيه ويهزه اصلا.
وللسبب ذاته بقيت صوره تحمل سحرها الغريب وتأثيرها الذي لا يضاهي حتى بعد ان يغلفها غبار الزمن وقد بقيت تحتفظ بسر قوتها بحيث تجاوزت مسافاتها وفواصلها الزمنية المقترحة الى المدى المفتوح لا بل تجاوزت حتى وظائفها المحددة ذلك لان دلالاتها التعجيزية العميقة امتزجت بوعيه المتفتح ودقة ملاحظته وقوة استقرائه الدقيق لما هو ماثل امامه.
* ان المرء لا يجد صعوبة في ان يستخلص من كل تلك المشاهد والصور الحية توقه للعيش اكثر من اجل ان يرى اكثروهذا هو خيط السحر الذي يربط عنده صورة الحاضر بالزمن اللاحق، وهكذا كانت الصورة الفوتوغرافية بالنسبةاليه انشدادا واضحا للحياة وتواصلا صحيحا مع مفرداتها وايقاعها المستمد والذي يتطلع الى نتاجاته بامعان يدرك بل ويجزم اكثر من مرة بانه فنان واسع البصيرة ومتفرد الرؤيا وشديد الذكاء وهو بذلك انما يمنحه صفات تتطابق وحقيقته .
وكل ذلك يدل بشكل اكيد على ان اعماله لم تكن وقفات مباشرة او صحوات مفاجئة او اطلالات عابرة على مسرح الواقع بل هي تفاعل صميم مع الواقع ذاته، واظن ان ذلك كافيا واكثر من كاف للتأكيد على كونه لم يتخذ من الفوتوغراف وسيلة لاشباع رغبة انية او وسيلة لقتل الوقت كما هو الحال عند الكثيرين، وانما كان الفوتوغراف عنده قضية تسموا على هذه الغاية.
* وانني بالخلاصة حين استعرض واستعيد في ذاكرتي ذلك الشريط المتصل والكم الكبير من نتاجاته التي كان قد جاء ببعضها من اصقاع بعيدة واماكن مستعرة واكثر من بقعة ملتهبة ارخت لاحداثها عدسته صورا حية ما لا استطيع ان اكتم دهشتي واعجابي بما صفحته يداه وما طاله خياله الخصب ولا يفوتني ان اذكره بل من المفيد جدا ان اشير الى تلك القوة والفيض العالي من المشاعر والاحاسيس الكامنة في روحه وعقله والتي كانت وراء ميله وتعاطفه الواضح مع الحقائق الانسانية بكل صورها ومعانيها لا مع الجزئيات والهوامش من تلك الحقائق كما انه وفي الجانب الاخر من عملية التوظيف هذه غالبا ما كان يحيط بالابعاد التعبيرية الدقيقة للمشهد اضافة الى تأسيسه على جمالية التكوين في محتوى الصورة.
ومثل هذا ما جسده في احدى صوره بجنود عراقيين سطحت في اعينهم قوة الصبر وعلامات التحدي والتعطش للحياة رغم انهم في ميدان القتال والحافه الاقرب الى الموت، وهي الصورة الفائزة بالميدالية البرونزية في المعرض العالمي للصورة الصحفية الذي اقيم في بغداد مركز الفنون عام 1987 .

 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM