قضاء الجبايش و” بطة شنغهاي “ بهجت الجبوري: طروحات جريدة الصباح مستقرة وواضحة ماذا تعرف عن المربوط و المربوطة؟ التربية تكمل مستلزماتها للعام الدراسي الجديد متى ينتهي الصراع في بلادنا بين المحافظين والمجددين؟! بسم الله الرحمن الرحيم...يا قريب الفرج هل لديك مشكلة في الانجاب؟ معسكر خارجي للمنتخب الرديف وابعاد 3 لاعبين بعد ضم لاعبي الاولمبي
الثقافة الشعبية من الشفاهية الى التدوينية قراءة في التدوين الشعري
اثير محمد شهاب
استطاعت الثقافة الشعبية وعبر ممارساتها المتنوعة ان تقدم تراثا ثقافيا ضخما يوازي الثقافات والممارسات الانسانية الاخرى ، وقد لعب هذا التراث دورا مهما في تأصيل القيم والتذكير بها من دون ان تسنح الفرصة لاحد التخلي عنها ، لانها حاضرة للعيان عن طريق الاستعانة بالذاكرة الشفاهية . وقد تعرض هذا الموروث الذي يمثل عادات وقيم الشعوب وثقافتها الى انحرافات عديدة ومتغيرات سريعة بسبب الشفاهية التي يمتاز بها ، مما تطلب العجالة في تدوينه حتى لا يكون عرضة للتغيير والتهميش ، ولكي يرسخ قيم وعادات وثقافة شعب في حقبة زمنية معينة ، وقد امتثلت التدوينية الى طرق واساليب عديدة ، تتباين وتختلف بحسب طبيعة المعالجة ، اذ اقتصرت بعض الاساليب على تدوين كل ثقافة شعبية على حدة مثلا كتب الامثال الشعبية ، وكتب العادات ، والالفاظ وهكذا . ونحى بعض آخر الى طرق اخرى تحدد في ضوء اختلاف الروايات التي تتعدد وتختلف بتعدد الالسن . وثمة نمط ثالث قد جمع بين هذا الاسلوب وتلك الطريقة ، وهذه الطرائق لم تقدم على كثرتها للحياة الثقافية سوى الارشفة ، اذ ظل الموروث الحكائي والعادات والتقاليد حبيسة المؤلفات والكتب ، ومع هذا الجهد ، فلا يمكن نكران الدور التأليفي الذي قدمته هذه الطرائق ، ولكن كان من المفترض وضع نقاط وخطط تواصل بين الثقافة الشعبية ومختلف الاجيال ، اذ وجدنا خلال النظر توترا بين الاجيال والثقافة الشعبية ، بل تعدى الامر الى حد القطيعة ، وهذا العيب الظاهر هو الذي جعل الهوة كبيرة بين ما قدمته الثقافة الشعبية من فعل وثقافة وبين ممارسات الثقافة الشعبية في الحياة العملية . والمدخل الذي اتخذناه للدراسة نستعيره من اجل الوصول الى نقطة الالتقاء ما بين واقع الثقافة الشعبية ومستقبل القصيدة العربية ، ومن اجل الا نطيل لابد من ذكر خصوصية النص الشعري الحداثي حيال الثقافة الشعبية ، اذ استطاع ان يخدم الثقافة الشعبية خدمة لا يمكن نكرانها ، اضف الى ذلك تمكنه من خلق سمة التواصل مع القارئ الذي بدأ يفقد علاقته بثقافته الشعبية لاسباب تتباين وتتقاطع مع طرائق ايصالها . والخدمة التي قدمتها النصوص الشعرية الحداثية حيال الثقافة الشعبية تشكلت عن طريقتين في الاداء ، تتجه الطريقة الاولى نحو النقل الارشيفي ، في حين تتجه الطريقة الثانية نحو الممارسة الخلاقة القائمة على فعل الابداع . وقبل الخوض في ممارسة طرائق توظيف واستحضار الثقافة الشعبية في النص الشعري الحداثي ، لابد من الحديث عن اهمية الموروث الشعبي في الممارسة الشعرية . تمكن الموروث الشعبي من اثبات حضوره في النصوص المعاصرة اقترابا من فهم المتلقي من دون تكلف” 1 “ ، هذا الموروث الذي صنعته اجيال طويلة من تجاربها وممارستها للواقع العملي والوجداني والعقلي” 2 “ ، برهن على قدرته المتميزة في تحميل النص اكبر طاقة ايحائية ، فاقتراب الادب من الكلام يجعله اكثر حيوية وتدفقا ، وعند انقطاعه عن الموروث تنفصم هذه العلاقة ، ويبدو الادب - سيما - الشعر كأنه معجم ينثر الاسماء من دون علاقات ، او انفجار من كلمات غير متوقعة تتطاير هنا وهناك” 3 “. ان اقتراب الشاعر من هذه المضامين وسيلة مهمة من اجل توثيق العلاقة بها ، بعد ما ادرك بعد المسافة عنها في هذا العصر” 4 “ ، من ذلك افاد شاعرنا من هذا الموروث والثقافة لما تضفيه من شحنة عاطفية وصورية لصيقة بحياة الناس” 5 “ على السياقات الشعرية ، ويعد هذا الموروث اداة في ربط الماضي بالحاضر ، وتخليد الماضي وترك سلبياته” 6 “ . وتعدد طرائق توظيف الثقافة الشعبية في النص الشعري الحداثي ، افضى الى معاينة وفحص كل طريقة على حدة ، من حيث اهميتها وفاعليتها في التواصل الثقافي . لم تقدم الطريقة القائمة على الارشفة - استحضار الموروث بطريقة حرفية قائمة على النقل - اية فاعلية او اضافة للموروث والثقافة الشعبية ، وانما جعلتها شبيهة بوضعها قبل التوظيف ، اذ اكتفى الشعراء باستحضارها بصورة حرفية لا تخدم سوى الغرض الشعري من دون خدمتها لمفاهيم تواصل الثقافة الشعبية او من دون مدها بابعاد ابداعية خلاقة ، بمعنى تحول الشاعر الى مؤرخ للثقافات دون ان يضفي عليها اي شيء ، والامثلة في هذا المضمار كثيرة بحيث يصعب حصرها ، على سبيل المثال مقطع من قصيدة الشاعر العراقي يوسف الصائغ : بلا لوم … ولا لوم سلاما يا بني عمي حبيبي عاد من عمان فلما شال لي يده ولما حط لي يده” 7 “ فالصائغ يستحضر عبر هذا المقطع اغنية شعبية عراقية ، تقول :” فتح الواوي ابو عيون السماوي.. حبيبي عاد من عمان .. الى آخره “ تستخدم صوت المرأة ، والشاعر وفق الاسلوب هذا يؤرشف الاغنية الشعبية ويدونها من دون ان يضفي عليها طابع الابداع ، على الرغم من عدم حضورها في كتب الثقافة الشعبية التي تذكر الامثال والاغاني والعادات والتقاليد ، بمعنى تحول الصائغ الى محقق وجامع للامثال من دون تحوله الى شاعر يثبت حضوره بازاء التوظيف الموروثي . والصائغ على وفق استحضاره وتغييره في مستويات اداء الاغنية لم يقدم ما يجعل من الاغنية ذات قيمة ابداعية محضة ، تجعلها حاضرة وشاخصة في موروثنا الحكائي ، بمعنى افادته من الموروث دون خدمته للموروث . على الطرف الاخر قدمت بعض النصوص الشعرية الحداثية طريقة مغايرة في الافادة من الثقافة الشعبية، تمثلت في نقل الموروث الشعبي نقلة ابداعية تتلاحم مع النسيج الشعري ، بحيث يبدو الموروث الشعبي كأنه بنية موحدة مع البنية الشعرية ، وهذا الاداء هو الذي ميز استحضار الموروث والثقافة الشعبية عن غيرها من التوظيفات ، ولعل شعر كزار حنتوش خير دليل على ذلك” يا نرجس “ ، ” قصائد رسمية “” 8 “ : يا نرجس حن اوشك عمري ان يأخذ ارجيلته وعصاه ومآربه الاخرى للمقهى الطاعن في السن يا نرجس حن صار الشعر الملفوف الاملح لي تاجا صارت حاشيتي طائفة الجن يا نرجس حن فاح الدخان من القلب لبني مشنون من اوله واتيت تشن يا نرجس حن انجبت روحي في تنور الرغبة سنوات قصة عمري لعبت فيه” ان “ يا نرجس حن قصائد رسمية ـــــــ 1- قوديني كخروف ضال نحو ربيعك خليني ارعى بين بساتينك انت الطين الحري وانا الماء فلنمتزج الان قيمر” معدان “ 2- منذ متى ، وانا اتهدم مثل بناء اثري كنت تلمين بقاياي بين الشوك وبين الاسل المضياف اذ سقطت كالآجر آخر ايام حياتي بين يديك الواهنتين شكلتيني كالخزاف حسب مزاج الغابات واخذتيني بين يديك المورقتين حزمة نايات -3 - طيلة عشرين سنة وانا اتشمم بحثا عنك كالكلب البوليسي لم يفلت من انفي شيء حتى صرة بنت المختار واخيرا 4- لولا فيروز وبغداد ورسمية لاقترنت ضفدعة بي والقى العنز علي الفضلات ولكنت مجرد عربة دون وقود او عجلات 5- يا روح البربين كم انت رقيقة اخشى ان استيقظ ذات صباح لاجدك على الوردة طلا او فوق النخلة عصفورة اخشى ان استيقظ فجرا لاشمك عطرا من اعطاف صديقة اواه .. ياروح البربين كم انت رقيقة .. 6- لا رسمية هذا اليوم لا صحو غدا اليوم غناء تحت التوت وغدا تابوت اذ يوظف الشاعر كزار حنتوش اللغة المحكية بما ينسجم واللغة الشعرية ، بحيث يتحول الاداء واللغة اليومية من سياقها غير الشعري الى سياق شعري عال في ادائه ، وهذا ما حفظ لنص كزار خصوصية متميزة وبلاغة في التعبير . فقصيدة” يا نرجس “ تستحضر مفردة” حن “ بوصفها لازمة تتكرر على طول النص ، مع الاهتمام بنقل الصور من فعلها الدال على الفعل الشعبي الى فعل شعري متميز” صار الشعر الملفوف الاملح لي تاجا ، صارت حاشيتي طائفة الجن “ ،” لبني مشنون من اوله ، انجبرت روحي في تنور الرغبة سنوات “ والملاحظ ان استحضار مفردات ” التنور، اللبن “ من سياقها الشعبي الى سياق شعري جعلها ذات طاقة ابداعية متميزة ، اضف الى حلاوة قبولها بوصفها صياغة شعبية التوظيف امام التوظيفات الحرفية الاخرى التي لا تخدم التواصل . على الطرف الآخر تقدم قصيدة” قصائد رسمية “ للقارئ ، مفردات جمة تخدم اللغة المحكية في النص الشعري الحداثي” الطين الحري ، قيمر معدان ، الشوك ، الآجر ، نايات، القى العنز علي الفضلات ، البربين “ اذ ان تقديم وضخ النص بكمية عالية من المفردات الحكائية جعلته مميزا في توظيفه للموروث عن غيره من الشعراء ، وخصوصية كزار تتميز في اضافته وتحويله للموروث الى لغة ثانية غير اللغة الاصل ، بمعنى تحويله اللغة المحكية الى لغة محكية / شعرية ، على خلاف اللغة المحكية الموظفة في النصوص الاخرى التي تبتعد عن مد جسور التميز . والنصوص على وفق هذا الاداء ، جعلتنا نوجه اهتمامنا نحو الافادة من الصياغات الجديدة للموروث والثقافة الشعبية دون النظر الى الاسلوب الارشيفي الذي يقوم على استحضار الاساليب والمقولات الشعبية دون ان يكون لها اية خصوصية وفاعلية في الاستخدام ، ومن دون ان تمنح القارئ خيطا يوصله بتراثه وثقافته الشعبية ، وهذا المثول يفضي الى تنوع الاساليب عند شعراء الريادة بين اسلوب قائم على الارشفة واسلوب قائم على منح الثقافة دفقة شعورية تعزز من قيمته بما يجعله طرفا في اخلاقيات الشعوب . الهوامش : ــــــ 1- ينظر : خواطر الشعر العراقي الحديث ، بلند الحيدري ، م. الاديب المعاصر ، ع1 ، 1961 : 48 . 2- ينظر : وحدة الامثال العامية في البلاد العربية ، محمد قنديل البقلي ، طبع ونشر مكتبة الانجلو ، مصر ، القاهرة ، 1968 : 5 . 3 - ينظر : اتجاهات الشعر العربي المعاصر ، د. احسان عباس ، عالم المعرفة” 2 “ ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ، الكويت ، 1978 : 142 . 4- ينظر : التضمين الفلكلوري في شعر السياب ، شاكر عاشور ، م . الاقلاع ، ع 2 ، 1968 : 25 . 5- ينظر : قضية الشعر الجديد ، محمد النويهي ، مكتبة الخانجي ، دار الفكر ، ط2 ، 1971 : 22 . 6- ينظر : اتجاهات الشعر العربي المعاصر ، د. احسان عباس : 150. 7- قصائد ، يوسف الصائغ ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1992 : 126 . 8- اسعد انسان في العالم ، كزار حنتوش ، دار الشــــؤون الثقافية العامة- بغداد ، 2001 : 52 ، 75 .
©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي Design By KAA.COM