قضاء الجبايش و” بطة شنغهاي “ بهجت الجبوري: طروحات جريدة الصباح مستقرة وواضحة ماذا تعرف عن المربوط و المربوطة؟ التربية تكمل مستلزماتها للعام الدراسي الجديد متى ينتهي الصراع في بلادنا بين المحافظين والمجددين؟! بسم الله الرحمن الرحيم...يا قريب الفرج هل لديك مشكلة في الانجاب؟ معسكر خارجي للمنتخب الرديف وابعاد 3 لاعبين بعد ضم لاعبي الاولمبي
تماثيل صلاح زنكنه الحجرية
صباح الانباري:
لقد تحطم هبل وادركت الروح الجمعية انها ازاء منعطف كبير وخطير، وعندما تجاوزت ذلك المنطعف ظل خطره قائماً، فيها لأجيال طويلة.. ان القيم الروحية اذ ترسخ في اليقين الجمعي فانها تكون قد استغرقت زمناً طويلاً واجيالاً متعاقبة تراكمت عبر تعاقبها بنى ذلك الترسيخ متحولة الى يقين ثابت الجذور ومتأصل في الوجدان العام، وحتى الثورات العظيمة التي انجزت تغيرات عظيمة لم تستطع اقتلاع جذور تلك القيم اقتلاعاً تاماً ولكنها منحت الانسان قوة قمعية كبت بها تلك القيم وعتم عليها فظلت متوارية تحت سطح الشعور بالذنب، لقد تحطم هبل، وهو الرمز المشترك لهزيمة الروح وانتصارها، ولكن الشعور بالخوف لم يتحطم في الروح الجمعية، ولم يكفها الغاء او تحريم صنعه ذلك الشعور.. انه جوهر المحنة والقدرة اللامحدودة على صهر الخيال في الواقع، والوهم في الحقيقة، والشعور بالمادة، وهو نفسه الطاغوت الذي ترجل من علىقاعدته الصلدة، في قصة صلاح زنكنه ”التمثال“ ليرهب الانسان ويفاجئه بحركته الآلية المخيفة ثم يتركه ليهرب من هول فزعه ودهشته من حقيقة توهمها ووهم اعتقد به الى المكان- الواقع والبيت- الامان- لكن المكان لا يني يتحول الى الوهم ايضاً، ليظل الانسان مطارداً ومهدداً انى حل وانى نزل، اذن هناك تغييرات مقصودة ومدروسة من لدن الكاتب في مواقع القوى المتصارعة داخل القصة.. فبعد ان كان الانسان يبصق على التمثال كلما مر به حجراً أصم غير قادر على الحركة كما الكائن الحي، يتحرك التمثال وينزل من على قاعدته ليرهب ويطارد كقوة تمكن من تبديل موقعها ”قاعدة التمثال“ بموقع آخر هو المنزل الذي يتم له فيه مواقعة المرأة لتنجب له هبلاً صغيراً يبدل ميزان القوى ويلبس الواقع لبوس الوهم ويطرد الانسان من موقعه الاول ”المنزل“ ويرغمه على اشغال موقعه السابق فوق القاعدة الخالية ليصبح هبلاً آخر يلعب دوره الوهمي في المطاردة ويحتل موقعاً جديداً في المنزل انسان آخر، ويفعل داخل الموقع الجديد ما فعله سلفه تماماً ويشعر كما شعر سلفه بسعادة غامرة وهو يرى نجله الهبلي يلهو مع اقرانه من التماثيل في شوارع المدينة وحاراتها، ويمكن تأشير تلك التبدلات بالشكل الآتي: 1- التمثال- من- القاعدة- الى- منزل الانسان. 2- الانسان- من- منزله- الى- قاعدته التمثال. 3- الانسان- من- قاعدة التمثال- الى- منزل انسان آخر. مع هذه التبدلات بدأت محنة الانسان ونمت نمواً مغايراً لما قرره القاص”كلما أمر به ابصق عليه، لا ادري لم اكن له كل هذه الكراهية، وهو محض تمثال لا غير لكن الـ”لا غير“ هذه لم تستطع الحفاظ على كونه ”محض تمثال“ خاصة وان الاحداث بدأت تتغير وتتطور اكثر فأكثر مانحة اياه، اي التمثال قوة الوهم وما تنطوي من سطوة كابوسية. لقد تحطم هبل، ولكن الشعور بالخوف اعاده مرة اخرى ليمارس دوره في القتل والخراب والدمار، وأنزله من على قاعدته ليلج الى اعماق الحيات وليلغمها بطوابير من ذريته ومريديه، انه محض تمثال لا غير، ومع ذلك استطاع ان يتجاوز تكوينه الحجري الى جحيم من الحجر. لقد تحطم هبل، ولكنه عاد ليوقظ ارواح العشرات من ابنائه الهبليين فيغزو بهم المدن ويحول الشواهد والنصب الحضارية فيها الى اتباع مطيعين لتحقيق مآربه القهرية والتدميرية، لقد ادرك صلاح زنكنه هذا الخطر الهبلي فاوعز الى الانسان، انسان قصته ان يحطم تلك الشواهد والنصب التي تحولت بايعاز هبلي الى قوة رهيبة الحقت به الهزائم والانكسارات والويلات والجوع والبلايا والانهيار عبر ثلاثة مستويات. الاول: صوتي، تمثل في جملة التمثال التحذيرية”اغرب عن وجهي ايها الاحمق والا هشمت رأسك “ وقد اراد بها الكاتب ان ينبهنا على قدرة التماثيل النطقية لتشكل اولى بوادر الوهم/ اليقين. الثاني: حركي، تمثل في الصفعة القوية، التي ظل دويها يتلاطم في اذنه لساعات حال صعوده اليه ومحاولته تهشيم رأسه الحجري: ازيح في هذا المستوى قدراً آخر من الوهم والغي الحد الفاصل بينه وبين اليقين وتأكد بالحركة والنطق ان التماثيل بدأت تمارس دورها فعلاً في تخريب الواقع وتمزيق المدينة. الثالث: يتيقن فيه تماماً، جراء رفسه بقوائم التمثال واتهامه بالعمالة لصالح بريطانيا، ان التماثيل قادرة على تخريب الاشياء والارواح، وصار لزاماً عليه ان يوقفها عند حدها بألغائها وتفجيرها والقضاء عليها قضاء تاماً.. غير ان فعل التفجير والتدمير ينقلب عليه فيلغى موقعه الاول”المنزل “ بدلاً من مواقعها اذ تترجل من على قواعدها لتبدأ بمطارتها ومضايقته اشباعه ضرباً مبرحاً بسياطه من دون رحمة ولتعلن انتصارها وتفوقها عليه قبل ان يبدأ صلاح زنكنه في تغيير مواقع القوى المتصارعة مرة اخرى، وقبل ان تبدأ”محنة التماثيل “. في محنة التماثيل، وهي القصة الثالثة يحاول الكاتب ان ينتصر للانسان فيشكل فرق ابادة تفر منها التماثيل منهارة مهرولة لاهثة تختبئ خلف الاشجار والبنايات المهجورة او في البالوعات، ويفر هبل، يختبئ خلف مريديه، يظل بعيداً عن بؤرة الاحداث وفي مأمن منها يراقب ويتوجس وينتظر انتهاء المحنة.. هنا يقوم صلاح زنكنه بقلب طرفي المعادلة فيتحول الشعور بالضيق جراء المحنة من التماثيل الى المشرف على ابادتها فيكشف بعد انتهائه من تدمير آخر تمثال في المدينة، ان ابنه الصغير يخبئ في دولابه تمثالاً صغيراً.. واذ يهم بتدميره تثنيه عن ذلك توسلات ابنه البريئة فيشتد في داخله الشعور بالمحنة ويتعاظم الصراع بين الواجب والضمير، بين القضاء على تمثال صغير مسكين كسير تترقرق الدموع من عينيه الزجاجيتين وبين الابقاء عليه وكأن صلاح زنكنه حاول من خلال هذا الموقف ان يستفز في قرائه الجانب الانساني المتساهل، كما هو حال المشرف، اذ تفرض عليه انسانيته المتساهلة ان لا يقوم بتدميره مع ان الواجب يقضي بتدميره لانتمائه الى فئة التماثيل التي تسببت في كل تلك البلوى.. وبذا يكون حجم المحنة كبيراً بعد ان تخلى المشرف على فرق الابادة عن واجبه وبعد امتناعه عن تدمير التمثال الصغير وبعد ان أصدرت هذه الفرق امراً بتحنيطه ووضعه على منصة في ساحة المدينة ليكون انساناً ”مصنماً“ وعبرة لمن لم يعتبر. لقد انتصرت فرق الابادة نصراً مكللاً بالاندحار، ذلك لأنها ابادت التماثيل واصدرت في الوقت نفسه امراً بتحنيط انسانها لتستمر اللعبة والمحنة المزدوجة على مدى ازمنة القصص الخمس. في”مجرد تماثيل “ يعمد القاص صلاح زنكنه وخلافاً للقصص الاربع الاخرى الى استبعاد صوت الراوي او القاص العارف بكل شيء واستبداله بصوت آخر يروي بضمير المتكلم كبير التماثيل، وهبلها الاوحد الذي أحس بعد تلك المحنة بالانخذال والذل والمهانة لأن مواطنيه اهملوه وتنكروا له وراحوا يهشمون القناني الفارغة على جذعه الحجري وتركوا كلابهم تتبول تحت قدميه. انه ليس مجرد تمثال برونزي يزين ساحة المدينة، انه الانسان منتحلاً شخصية كبير التماثيل ومحنطاً على منصة في ساحة المدينة وقد ذهب عنه سلطانه وجبروته وبأسه الذي لا يلين.. واذ يقرر صلاح زنكنه صيغة ضمير المتكلم لقصته فانه يتركه يتحدث عبر مونولوج غني بالمعاني والدلالات العميقة والموحية والتأثيرات السلبية حتى يمتلئ القارئ شفقة عليه ويفسح له الطريق، كما في المرة السابقة متناسياً حجم الكوارث والويلات التي انزلها عليه بسطوة وجبروت وسحر وخبث هبلي.. لقد ادرك ان مواطنيه، وهو ولي نعمتهم، لن يعودوا يتغنون به او يسمون الاشياء باسمه، وصار لزاماً عليه ان يغير استراتيجيته قبل ان يجد نفسه مرمياً على المزابل او مباعاً في المزادات العلنية فرعيته ما عادت تصفق او تهتف له، و لاتخاف من سطوته وبطشه واساليب قهره القذرة”يا للخيبة.. رعيتي من حجر،رعيتي من برونز، رعيتي من رخام،رعيتي من نحاس، ادركت ان روحي العظيمة حلت في ارواحهم الضالة ها انا ذا مجرد تمثال هرم، ها هم مجرد تماثيل بلهاء “ لكن اللعبة لم تنته عند هذا الاعتراف والاستسلام الجماعي لمصائرها، فلقد قامت التماثيل مرة اخرى وراحت تمارس طقوسها في الشوارع والمتنزهات ودور العلم والمساجد والمدارس والمستشفيات محولة الجميع الى تماثيل من حجر حتى تلك الاصوات النقية التي تروي لنا عن تلك القيامة قد بدأت تتلو صلاة تحولها الى حجر.”رؤوسنا حجر، اسماؤناحجر، اشياؤنا حجر، احلامنا حجارة، مباركة هي التماثيل لأنها مجبولة من الحجر، مباركون نحن لأننا شهدنا قيامة التماثيل “. لقد انتصر الحجر وانهزم الانسان في خمس قصص استطاع القاص صلاح زنكنه ان يحقق نجاحاً ملموساً على صعيد الفن القصصي المبدع في اربع منها بينما اخفق في نصه الخامس. فـ”قيامة التماثيل “ لا تنتمي في بنائها او فنيتها او قواعدها وشروطها الى القصة القصيرة او الاقصوصة انها في افضل حالاتها لا تعدو كونها انشاء ادبياً مرتبطاً من حيث الموضوع في ذات السلسلة التي ربطت بين تلك القصص وانها لا تعدو من حيث استقلاليتها وحدة متكاملة قائمة بذاتها كما هو حال الوحدات الاخرى، فلو انك اخذتها منفردة وقرأتها بمعزل عن بقية الوحدات لاكتشفت حال انتهائك منها قصوراً واضحاً في ادائها لوظيفتها الفكرية والفنية . ولواننا استثنيناها كنص من نصوص التماثيل لأمكننا القول ان قصص صلاح زنكنه الاربع الاولى متميزة في ترابطها الفكري وتسلسلها الدرامي وانسجام بناها واستقلال كياناتها وجرأتها التي لا تتوقف عند حد معين. * التماثيل/ قصص قصيرة نشرت في مجلة الاقلام العدد 2-3 نيسان- ايار 2004.
©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي Design By KAA.COM