|
لقد تدمر منزله من
جراء القصف الاميركي. كما وانفجرت سيارة مفخخة امام مطعمه في ليلة رأس السنة
الميلادية لتتركه مبنى محطم بالكامل. واكثر من عشرة من اصدقائه دفعوا الاف
الدولارات للخاطفين. ولكن السيد نبيل حنا، احد تجار بيع الملابس، لا ينوي ترك
العراق على الرغم من انه يستطيع ذلك . كما ينوي السفر هذا الشهر الى ايطاليا
لشراء بضاعة جديدة لمحله
ان التحول نحو العراق الجديد
جاء بالعديد من المخاطر للفئة الفقيرة من العراقيين الذين يعيشون حالة من
الفوضى وعدم الاستقرار الامني. غير ان التجار العراقيين هم ايضا يواجهون
مخاطر كبيرة. فهم اصبحوا اهداف للمختطفين. واصبحت تنقلاتهم اليومية محدودة ما
بين البيت والعمل والعديد منهم يتسائلون اذا ما كان الخطر كبير لدرجة انهم لن
يتمكنوا من البقاء فيه. وحتى الان هناك بعض التجار العراقيين امثال السيد حنا
ليست لديهم الرغبة في التخلي عن بلدهم والسفر. فالفوضى اصبحت جزءا من حياتهم
والعديد منهم يحاولون التأقلم مع هذا الوضع. ويقول السيد حنا، "احيانا افكر
بترك بلدي. ولكن انا عراقي . وانا اعيش هنا والناس هنا يحترمونني. وحلمي ان
اكون هنا وليس في بلد اخر. لذا سأنتظر لارى ما سيحدث."
وتدهور وضع التجار في العراق خلال حكم الطاغية صدام عندما وضعت الحكومة
سيطرتها على قطاع التجارة ، في الوقت الذي استنزفت فيه الحروب مصادر البلاد.
وفي التسعينيات اصبحت الدولة هي اكبر مالكة للشركات التجارية وتمتلك اكثر من
200 شركة. واعادة انتعاش طبقة التجار يعد امرا ضروريا في حملة اميركا لمساعدة
العراق ليصبح اكثر استقرارا ورخاء. ويقول الاميركيين انه سيساعد على تحرير
الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة. فترسيخ الحقوق القانونية يمكن ان تمنح
المستثمرين الثقة لاستثمار اموالهم وخلق بناء لديقراطي قوي. غير ان الحياة
تغيرت بشكل مختلف، يقول عبد الواحد هاشم، 41 عاما، ويعمل في مجال الاستيراد،
انه يغير سيارته عدة مرات في الاسبوع ولا ينام في منزل واحد لتجنب الخطف.
واضاف السيد هاشم، الذي التقيناه في مقهى لانه رفض ان يستقبل اي صحفي اجنبي
في مكتبه، "هذه ليست حياة. على الاقل الشرطي يبقى في مكان واحد وحارس يحرسه.
انما نحن نتحرك باستمرار والله هو الذي يحمينا. "
وفي محاولة التجار للتخلص من عمليات الاختطاف التي تستهدف الاثرياء، قام
العديد منهم بنقل عوائلهم الى البلدان القريبة. وقام السيد هاشم بتسفير زوجته
واطفاله الاربعة الى سوريا بعد ان اختطف ابن اخيه البالغ من العمر عشر سنوات
واطلق سراحه بعد دفع الفدية.
واحدى النتائج التي نلاحظها الان هي عكس ما كانت عليه الحياة في عهد نظام
صدام عندما كان الرجال يغادرون العراق للعمل في الخارج والحصول على العملة
الصعبة لارسالها لعوائلهم ، يقول احسان السبتي وهو صاحب محل للمجوهرات في
بغداد والذي ينوي ارسال عائلته الى سوريا قريبا "نحن نعيش غرباء في بلدنا.
والموت يرفقنا كظلنا ويعيش معنا". ويمكن الاطلاع على عدد العراقيين الذين
تركوا العراق من خلال احصائية اصدرتها وزارة المهجرين والمهاجرين الشهر
الماضي. وتقول الاحصائية ان حوالي 40،000 من المسيحين سافروا للخارج منذ
الاحتلال الاميركي للعراق. على الرغم من ان المسيحيين يشكلون جزءا صغيرا من
سكان العراق الا ان الاحصائية اوضحت بان العديد منهم يعملون في مجال الاعمال
الحرة. ويثير القلق بشأن الوضع الامني الكثيرين الامر الذي بدأ يتخطى استهداف
الحياة الشخصية الى الحياة العملية. اذ يبقى مطعم السيد حنا مغلقا وتبقى
واجهته تذكارا للهجوم الذي قتل اربعة اشخاص عشية عيد الميلاد. كما وبدت
المطاعم الاخرى في منطقة الحارثية خالية في الساعة الثامنة مساء. اما قبل
الحرب ، يقول محمد فاروق المدير في مطعم ”كوكونت“ احد مطاعم الوجبات السريعة،
أن هذه المطاعم عادة ما كانت مكتظة برواد المطاعم ولساعات متاخرة من الليل.
واحد الاسباب وراء هذه المشكلة هي مسألة الكهرباء ، ويقول عمر مفيد، احد
مالكي مطاعم الوجبات السريعة انه اشترى مولدة اخرى لمطعمه. وبالرغم من ان
مطعمه بدا وكانه في احتفال ليلة راس السنة يقول" ان الكهرباء هي الحياة في
بغداد". والسيد مفيد اشترى رشاشة كلاشنكوف للحماية ويقول انه استخدمها للمرة
الاولى عندما فاز الفريق العراقي ضد الفريق الاسترالي في اولمبياد اثينا.
ويضيف السيد سبتي ان اجهزة التكييف والسيارات والمجوهرات تلاقي اقبالا واسعا
في الوقت الحاضر اكثر مما كانت عليه قبل الحرب وذلك لان دخل موظفي القطاع
العام ارتفع كثيرا عما كان عليه في عهد حكم الطاغية صدام. مشيرا الى ان الناس
بدأوا بشراء هذه الاشياء قبل ثلاثة اشهر. وجانب اخر اقتصاد العراق الذي يشجع
رجال الاعمال على الاستثمار هو قيمة العقارات. اذ بدأت حملة شراء العقارات
بعد عودة المغتربين للعراق بعد انهيار نظام الطاغية صدام. ويقول عسان الشمري،
احد سماسرة الاراضي في بغداد بان سعر المتر المربع الواحد ارتفع الى اربعة
اضعاف ووصل حوالي 1,000 دولار. واغلق السيد حنا مصنع الملابس الذي يمتلكه
لفترة مؤقتة وهو الان يقوم ببيع الملابس النسائية ولكنه اكد انه لن يبيع ارضه.
وفيما يخص السيد هاشم، الذي يعمل في مجال استيراد الصابون، فأن انهيار نظام
الطاغية صدام مكنه من ابرام عقود كثيرة وبعضها يقضي باستيراد ما قيمته اكثر
من مليون دولار من المواد الغذائية ومضخات المياه وغيرها. ويقول ان ارباحه
التي يجنيها الان هي خمسة اضعاف ما كان يجنيه من تجارة الصابون. غير ان
الاعمال التجارية تتطلب السفر عن طريق الاردن او سوريا وهما الطريقان الاكثر
خطورة فالسيد حنا يقول ان الشاحنات تعرضت للسرقة مرتين، المرة الاولى من قبل
اللصوص مما اضطر السيد حنا لدفع مبلغ 20،000 دولار لاطلاق الشاحنات، والمرة
الثانية من قبل بعض الاسلاميين الامر الذي تطلب تدخل احد مراجع الدين. ويقضي
السيد حنا فترة الظهيرة في محله ويفضل الحديث عن السياسة مع احتساء قدح من
القهوة. ويقول ان المسؤولين العراقيين هم جزءا من لعبة شطرنج كبيرة يتنافسون
لاجل الحصول على المراكز العليا في السلطة. وهو من جهة اخرى يخطط لبناء مركز
للتسوق ، فهو يملك الارض. ويقول "لن اسثمر اموالي في اعمال جديدة حتى ارى ما
سيحدث. اريد ارى الناس يعودون للعراق والاجانب والعمل يعود لطبيعته" واكد "لا
اريد ان اترك العراق.. صدقني. |