وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني لـ ” الصباح “ قصائد النواب في المسرح العراقي قراءة ثقافية في مشروع الشرق الاوسط الكبير قبل اكثر من قرن! عرفت بغداد احدث وسائل النقل! عند العراقيين القدامى يتجسد الترقي والروعة في فن النحت النفط تتجاوز الثلاثة ملايين برميل وتتبنى اول مشروع للشفافية المرور العامة انهت استعداداتها لاصدار اجازات السوق في ذكرى استشهاده الامام الكاظم ”ع “ سجين الحق وقائد المعارضة السلمية خان بني سعد ، مدينة منتجة ، لكنها مهملة
نهى الراضي سجلت ما قاسته بغداد بالمرح والظرف
نورا بستاني ـ ترجمة :انيس احمد
نهى الراضي، فنانة عراقية وكاتبة مذكرات، إمرأة لن تمتد اليها يد الزمن وستبقى عصية بأكثر من وجه لا تشيخ، فملاحظاتها المرحة الساخرة وسرعة بديهتها كانت دقفة عطاء من التعليقات في جميع الشؤون السياسية منها والتافهة، وفنها كان أبداً يأتي مصطبغا بسرعة الخاطر وغرابة الافكار. تقول وسماء الشوربجي، وهي متخصصة بتاريخ الفن عراقية المولد تقيم في بوسطن: “كان يميزها تفاؤلها وهي تشاهد ما يعانيه الاخرون”. روح نهى المرحة كانت تعلن عن نفسها في عينيها اللامعتين، والزهرة النظرة التي كانت تشبكها خلف اذنها... تلك الزهرة التي لم يكن يعييها العثور عليها حتى وسط أشد الاماكن إقفارا ووحشة... كانت تذكيراً لكل من يراها بانها جاءت من ارض بعيدة من جنائن مخضبة بالعطر في بلاد ما بين النهرين، كانت تلك هي علامة احتجاجها على اوضاع الاضطراب والحرب والنفي فيما كانت تحب ان تسميه “الشرق الغارق في الوحل”. (ملاحظة المترجم: هذا الاسم جاء من تحريف طريف في لفظة ـ الشرق الاوسط ـ باللغة الانكليزية). لقد توفيت نهى الراضي في مدينة بيروت في 31 ايلول عن عمر بلغ 63 عاما من جراء اصابتها بالتهاب الرئة، وهو من مضاعفات مرض اللوكيميا (سرطان الدم). فقد كانت تعاني من مرض تم تشخيصه في العام الماضي على انه نوع نادر من انواع هذا المرض، ولكنها ابقت الامر طي الكتمان. في نهاية الاسبوع الماضي اودعت العائلة والاصدقاء نهى مثواها الاخير حين سجوا جثمانها على فراش من ازهار الياسمين في قاع قبر اعد لها تحت ظلال غابة من اشجار الصنوبر في قلب بيروت التي كانت من احب المواطن الى قلب نهى في رحلة حياتها التي طافت بها بين العراق ولبنان وبريطانيا والولايات المتحدة واليمن، وأماكن اخرى غيرها. في هذه الليلة في بيروت سوف يقوم سبعة من المرتلين يصحبهم ناقرو الدفوف بتلاوة مقاطع مبهجة من القرآن، وهو تقليد بغدادي قديم يقام إكراما لروحها في اليوم العاشر من الحداد في شقة والدتها على شاطئ البحر. وقد قدمت سلمى اخت نهى، وهي متخصصة في علم الآثار تقيم في مدينة نيويورك الى بيروت عندما ابلغتها نهى قبل ثلاثة ايام من وفاتها بأن وضعها الصحي يتداعى من جراء اصابتها بنزلة برد. تقول سلمى عن اختها: “كانت شديدة الابداع والابتكار، لقد رأيت ذلك في مجموعات من اعمالها الفنية، انها اعمال لا تصدق”، ثم تستطرد فتقول “انها تخطط لاقتفاء اثر اعمال اختها الفنية في الولايات المتحدة والهند وباكستان واوروبا والشرق الاوسط بغية تصويرها وجمعها في كتاب”. كنت قد التقيت بنهى الراضي في خريف عام 1990 بعد غزو العراق للكويت مباشرة ولكن قبل رد القوات التي كانت تقودها الولايات المتحدة على ذلك الغزو، يومها كنت احاول ان اتعرف على مشاعر الفنانين والمفكرين العراقيين، وقد تم لقائي بها من خلال مهندس معماري عراقي، وفيما جلسنا نحتسي الشاي في غرفة الجلوس راحت هي تتحدث عن خوفها من وقوع اثر الرد الاتي على المدنيين العراقيين، وعن معارضها الفنية في لندن ونيويورك وواشنطن. وبعد مضي ساعة من زمن زيارتي لها وقعت عيني على كراس موضوع فوق منضدة القهوة، وفجأة طرأ لي أني قد وقعت على واحد من اعمالها الفنية. كان العمل هدية لاحد ما بمناسبة انتقاله الى منزله الجديد، وهو عبارة عن صينية خضراء من السيراميك مطعمة بالالوان الزعفراني والبنفسجي الزاهي والبرتقالي المحمر، الوان غروب الشمس العراقية. وللصينية مقبضان على شكل حيتين مجدولتين باللون الاصفر ـ البرتقالي، وأدركت اني قد مسست للتو امرأة تحيا في صميم وجودها حضارتان... إمرأة اضحت تجاربها دراسة في فن الكفاح من اجل البقاء. في عام 1992 نشرت مجلة كرانتا الادبية يوميات نهى الراضي في زمن الحرب التي وصفت فيها عذاب اسرتها واصدقائها وهم يشقون ويجاهدون وسط انقطاعات التيار الكهربائي وشحة الوقود والحرمان من ضروريات الحياة الاخرى. كانت تلك اليوميات تصور مدى الاستياء الذي تنامى في صدور الناس من الولايات المتحدة حتى لدى الطبقة الميسرة من سكان بغداد الذين شاركوا الباقين في تعبيرهم عن مقتهم للاجراءات العقابية والحصار والقصف. بعد ذلك جرى نشر اليوميات في كتاب في عام 1998 ثم اعيد اصدار طبعة منقحة منه في الولايات المتحدة في عام 2003. في العام الماضي عادت نهى ادراجها الى بغداد بعد غيبة سبع سنين، وهناك أخذت بكتابة يوميات جديدة بعد سقوط صدام حسين في نيسان غطت فترة 28 يوما نشرت مقتطفات منها في مجلة كرانتا ايضا. في تلك اليوميات وصفت حال اناس يحفرون في القبور الجماعية منقبين في تفتيشهم المحزن عن اقاربهم الذين فقدوا.. ووصفت جنودا اميركيين يثيرون الغبار بتحركاتهم، كتبت تقول: “لا يبرق متألقا هنا سوى مئات من الجوامع... جوامع اشبه بنموات منتفخة هائلة”. وقد أثلج صدر نهى حينذاك ان تجد امها ذات الـ83 عاما، وخالتها الواهنة القوى نيرة، ما تزالان محتفظتين بروحهما القتالية في بيتهما على ضفة النهر، كانت الاثنتان قد غادرتا مسكنهما الآمن في بيروت وقدمتا لقضاء ايام في بغداد (كانت امها قد رأت مصرفا وهو يتعرض للنهب... فما كان منها الا ان صرخت في وجه احد الضباط الاميركيين ذات يوم “نحن لا نريدكم”). كانت هازلة في كتاباتها احيانا، كما كتبت ذات مرة عن ام حسين، وهي امرأة ترعى شؤون املاك الراضي، اذ تسير بين الاعشاب المرتفعة وسط اسراب من نحل العسل: “من الخير لها ان تتسربل برداء يغطيها من رأسها الى اخمص قدميها”. ولدت نهى الراضي في بغداد في عام 1941 وامضت عشرا من سني تكوينها المهمة في الهند حيث كان والدها يعمل سفيرا للعراق. وعندما سقط نظام الحكم الملكي الذي كان يدعمه البريطانيون في العراق في عام 1958 تقاعد تاركا السلك الدبلوماسي وعاد بعائلته الى بغداد. بعدها انتقلت نهى الراضي الى لندن حيث درست فن السيراميك في مدرسة بيام شو للفنون، وعندما سيطر حزب البعث على العراق في عام 1969 انتقلت عائلة الراضي الى بيروت وهناك دخلت الجامعة الاميركية في بيروت حيث انتهى المطاف بها الى التدريس في تلك الجامعة.اصدقاء الطفولة، مثل وسيم الشوربجي وهو من اقارب المؤرخ الشوربجي يخامرهم ظن بأن نهى كانت تعلم انها موشكة على الموت.
©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي Design By KAA.COM