”أنصاف المثقفين“ والمديح بما يشبه الذم حلاق اشبيلية.. غناء الفرح والسعادة الفوتوغراف العراقي في هامبورغ إعادة إعمار العراق في تقدم شعب يتطلع إلى بنية تحتية جديدة الزراعة تتبنى مشروع اعادة تاهيل المكائن والجرارات العاطلة الانتخابات تمثل منفذاً للكثير من الازمات وارجاؤها سيشرع الابواب امام الارهاب الحركة النسوية في كربلاء ما زالت دون الطموح 70 الف متفرج في اثينا استقبلوا وفدنا للمعاقين بالتصفيق المدوي الطلبة يشارك في بطولة كلكتا بالهند
في ذكراه الثالثة عبدالجبار داود البصري..الناقد الذي رأى
علي حسن الفواز
اعتقد ان الحديث عن تاريخ النقد الادبي المعاصر في العراق لا يغفل الحديث عن رواده الذين حملوا ارثه الفكري والجمالي وتدبروا عملهم عبر مغامرات ومواجهات قطعت بهم السبل مع انماط تقليدية انطباعية في العمل النقدي واجترحوا لهم ادوات ومجسات ومفاهيم تدالوا بها آلية الاشتغال والتطبيق على النسيج اللغوي والمفهومي والبنائي للنصوص الادبية ووضعها امام مقايسات جديدة للمناهج والافكار وتعدد مستوياتها القرائية.. وحين نستذكر الناقد الراحل عبدالجبار داود البصري في ذكرى رحيله الثالثة، فاننا نستعيد حيوية المغامرة الاولى وحيويتها في الفكر النقدي ومؤثراتها على حركة المشروع الثقافي الابداعي.. لانه كان اكثر نقادنا الرواد اشتغالا في هذه المناطق واكثرهم حماسا للنص كظاهرة ثقافية مبدعية وكموضوع اجرائي مفتوح على مجالات الثقافة والحياة في واقعيتها وفي جنوحها نحو الثورة والتجديد بعيدا عن” الخلطات “ النقدية التي ادخلت الفكر النقدي في متاهات الغربنة والعدم. تحول عبدالجبار داود البصري الى ذاكرة ارشيفية للزمن الثقافي العراقي، فهو القريب من تحولات تاريخ الثقافة الشعرية، وشاهد على انجازاتها في التجريب والحداثة، وكان من” الثائرين “ الاوائل على سلطة النموذج التقليدي للشعرية.. ولعل مطارحاته في مجلة” المجلة “ المصرية التي كان يصدرها يحيى حقي حول تجربة الشاعرة الرائدة نازك الملائكة دليل مبكر على هذا الوعي الثوري والتنويري في مفاهيم التجديد النقدي في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات. لم يحمل ناقدنا الشيخ هموم التجريب كقراءات في الترويج لنظريات الغرب الثقافية او يقترح لثقافته” صفرا “ ثقافيا او نقديا على طريقة رولان بارت وانما حمل همومها كتحولات ضرورية واساسية في الذات الثقافية العراقية المهووسة اصلاً بالتحول والتمرد.. كان منحازا لتجربة السياب الشعرية واسس حولها اشتغاله النقدي الاولي لقناعته بأن هذه التجربة هي التي حملت المشروع الشعري العربي نحو التجديد الحقيقي، وان المغامرات والتجارب الاخرى لا تعدو ان تكون تأسيسا حول معطيات تلك التجربة الرائدة. ومن هنا بدأت انطلاقته النقدية التأسيسية في التعاطي مع مشروع ثقافي جديد يؤمن بمشروعية التنوير والتجديد والتي توجها باشرافه على مجلة الاقلام العراقية ذات التوجهات الحداثية في مفاهيم الثقافة شعرا وسرداً وفنوناً اخرى تحايث المجال الابداعي.. فضلا عن انشغاله في مجال الكتابة عن التحولات الاسلوبية والجمالية النقدية حول النص الشعري عبر دراساته للكثير من التجارب الشعرية العراقية والعربية المعروفة.. فكانت دراساته ومتابعاته تلك تكشف عن رغبة عارمة في التجديد ومحاولة لشرعنة وعيه النقدي ازاء مستجداتها وازاء ظاهرة التحول الاساسية في الشعرية العراقية بدءاً من مرحلة الرواد وانتهاء بجيل ما بعد الحرب.. كان يميل بحكم طبيعة ثقافته الى النقد الانطباعي ـ الاجتماعي لاحساسه بأن هذا النقد هو الاكثر حـرية واتساعا في تهيئة الجسد الثقافي للقراءة والفحص والتأمل. وبهذا يكون الناقد الراحل قد اهتم كثيرا بدلالات الكشف عن العلاقات الداخلية في مستوياتها الاسلوبية والنفسية للنصوص على اساس قياسات نقدية تعمد الى تغليب بناء الجملة الشعرية ونظامها العروضي والصوتي ضمن شروطه في اضفاء المعنى وقوة الخصائص اللغوية المعروفة للحفاظ على هوية النص الشعري. لم يواجه ناقدنا الشيخ البصري هموم القطيعة الثقافية بالنزوع الى المناهج المعقدة والانجرار الى مظانها الاسلوبية والتأويلية والتفكيكية، لانه لايؤمن بتفكيك النص ويؤكد اهمية وحدته، ظل وفيا لواقعيته مطمئنا الى شرطه الاجتماعي ـ النفسي قريبا من الانطباع الذي يجعله يتعاطى مع النص على اساس ما توفره القراءة من متعة واسترخاء وغوص في الكشف عن درر المعنى.. لانه يقول ان النص اشبه بالمرأة الجميلة لا يمكن ان تراها وتمعن في جمالها دون كمال صورتها في الخلق والتكوين وما يحمله نهجها من دفق انثوي له السعة في الايحاء.. كان البصري شاهدا على زمن الخراب مثلما كان شاهدا على زمن التحول، ظل يواجه ذلك بسخريته المعهودة لانه لا يطمئن الى الظواهر السريعة، ادرك ببصيرته سر ما يضمره الشعر من توهج ومن روح خفية هي جوهره في البقاء ومواجهة اوهام بعض الحداثيين الذين روجوا لموت الشعر، اذ كان يقول ان هذا الموت يعني موت الانسان. ونحن نحتفي بذكرى رحيله الثالثة ارجو من وزارة الثقافة ان تولي اهتماما بزمن البصري النقدي دون حساسيات او اعتبارات ـ لان هذا الشيخ ـ الشاهد كان رائيا لزمن الحداثة في قلقها واسئلتها وتحولاتها واظن ان هذه الخاصية تجعله يملك شرعية في القراءة والتدوين. رحمك الله يا شيخنا الجليل، لقد كنت ساخرا وباكيا على زمن الخراب.
©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي Design By KAA.COM