”أنصاف المثقفين“ والمديح بما يشبه الذم             حلاق اشبيلية.. غناء الفرح والسعادة             الفوتوغراف العراقي في هامبورغ             إعادة إعمار العراق في تقدم شعب يتطلع إلى بنية تحتية جديدة              الزراعة تتبنى مشروع اعادة تاهيل المكائن والجرارات العاطلة              الانتخابات تمثل منفذاً للكثير من الازمات وارجاؤها سيشرع الابواب امام الارهاب             الحركة النسوية في كربلاء ما زالت دون الطموح            70 الف متفرج في اثينا استقبلوا وفدنا للمعاقين بالتصفيق المدوي              الطلبة يشارك في بطولة كلكتا بالهند

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

 

اللغة ولذة القراءة

 

ضياء الخالدي

 

تبرز اللغة في الخطاب الادبي، كونها الاداة الرئيسة في تكوين الاثر، وهي تمثل الرهان الاول في التفاعل، ونقل فعل الابداع من قيمة شبحية الى قيمة جمالية مادية، تكون موجهة الى الاخر. وتختص بما يتيحه النص المنتج من تأثيرات صورية ودلالات الى قارئه، وما يتيحه ذلك القارىء عبر مرجعيته المعرفية الى النص المنتج ايضا.. ومن هذه العلاقة نستطيع ان نحدد هدفية الخطاب الادبي وقوة تأثيره وجنسه الخاص الذي احتوى فعل الابداع ضمن قوانينه الخاصة.
وبحدوث الخلل في اللغة، فان قصدية الكاتب تبدو ناقصة ومشوهة واسيرة تفكك، تؤدي الى نفور قارىء النص، وابعاده عن دائرة الانفعال والتأثر، وتعني ايضا سقوط الموضوعة وتلاشي مجموعة الافكار والرؤى والمواقف الحياتية فيما يشبه العدم.
ويحتوي السرد الروائي على مزالق عديدة اهمها اللغة، التي تكون امام مرآة كبيرة ونقية، تعكس الامكانية الحقيقية للكاتب، وقدرته على ايصال الحادثة او رسم الشخصية او ادارة حوار، لان الرواية هي بالاساس قدرة لغوية ـ لست اعني هنا كقيمة بنيوية ـ تتيح خلق عالم جمالي متكامل له مساحة واسعة في استيعاب حيوات تزخر بالتقاطعات.. ومن احدى الاشكاليات عندما يحيل الكاتب لغته الى مجموعة من الدلالات تفضي الى قصدية يراها مكتملة في ذهنه، ومتجاوزا جانبي التشويق والمتعة اللذين هما من المبررات الفتية لنجاح النص، وهما جوازا المرور الى فهم موضوعة النص عبر الاستمرارية في القراءة، وهذه القضية تعني امتلاك الكاتب الى ادواته الكتابية ومفضلا التعبير بطريقة يراها مناسبة لعرض تصوراته. غير ان الحديث يأخذ اتجاها اخر حين يختبىء الكاتب ولعجز لغته في الايصال خلف احالات نقدية تعطيه هالة كبيرة وعمقاً ثقافيا امام قارىء قليل الخبرة، وبرغم فقره ايضا في تشكيل حدث روائي يبدأ من نقطة وينتهي في نقطة اخرى.
ان الكاتب المقتنع برؤيته وفهمه للاشتغال الروائي وبلغة تتعالى عن القارىء وتشكك في قدرته على الفهم، يود ذلك ان تكون كتاباته عرضة للاسئلة، وبالتالي اعادة قراءتها مرة ثانية وثالثة لكي يصل متلقيه الى ما قصده، مما يعني بتصوره ان الديمومة والبقاء لكتاباته متأتية من تلك الصعوبة، ويبررها بمقولة اصبحت تثأر في كل مكان: لا نريد قارئا كسولا، بل قارئاً يشارك في الاضافة الى المنجز.. وهذه الكلمات صادقة من حيث جانبها النظري، اما حين تنطبق على كتابات هي بالاساس عصية عن القراءة، فانها تكون ذات تأثير عكسي تماما..وتلك مسألة كبيرة لها اضرار على الذائقة عموما، لان نصوصه الروائية ستكون حائزة على الاقناع من حيث القدرة اللغوية المخيفة في بناء النص، ومهما فشلت في ايصال المعنى فان بعض الاجتهادات النقدية وخاصة الاكاديمية سوف تقيم هذه الاعمال، وتقول ان ثمة خصوصية ينتهجها الكاتب في اسلوبه الكتابي، الذي لا يعطي نفسه بسهولة، لنحصل في النهاية على رواية بعشرات الصفحات ونفور لا حدود له من المتلقي.اما الغوص في التراث فانه لا يعني نقل المفردات القديمة والصاقها في المتن الروائي على حساب آلية التوصيل، لوجود بدائل عصرية معبرة عن الموضوعة بايسر السبل، فكم نقرأ من روايات يغلب عليها التجريب في توظيف بنية الاستهلال التراثية بالمتن الحكائي؟ مثل” حدثني فلان عن فلان عن... “، او الانسياق خلف تحرير المدونات والمخطوطات بطريقة تفقد القارىء لذة المواصلة وادراك الوقائع. ولا اعلم هل ينبغي للقارىء ان يكون ملماً بمفردات وادي عبقر لكي يفهم رواية حديثة؟ وهذا الكلام لا يعني مطلقا عبثية هذه المحاولات وخطأها، وانما التركيز على جعل اللغة ميتة في ايصال روح ذلك العالم التراثي الغني بموروثه، وهدفية الكاتب الرئيسة من اتخاذ زمن مضى وتفضيله على زمن ادركنا رموزه جيداً!وثمة اشارة تحتاج الى دراسة وربما دراسات فيما يخص” غالبية “ الروايات العراقية، وقدرتها اللغوية الهائلة في انشاء نص يحوز على الاقناع، لكنه يفشل في امتلاك خاصية الامتاع، تلك المتعة التي تعني قارئا يقلب الاوراق بلهفة على امل اصطياد وهم يزوده بالراحة والثقافة معا، ويجعله متواصلا مع كاتب يعبر عن همومه وبيئته.. ويقول ناقد عربي حول وصفه الروايات العراقية ما معناه انها متشنجة وتغلب عليها الاحتدامات النفسية وعدم الاهتمام بالجوانب الدرامية التي تعطي الحركة والحياة.. وقد استثنى بالطبع بعض الاعمال المتميزة التي حازت على اعجاب القارىء العراقي قبله.
وثمة خلط وتداخل بين مؤثرات نجاح النص بالتأكيد، وبعيدا عن اختلاف عملية التلقي، والتي غالبا ما تكون النافذة التي يهرب منها فشل الكاتب، وهذا ما نجده بشكل واضح في القصة القصيرة ايضا، بحكم قوانينها الداخلية التي تجعل من اللغة ذات تكثيف واختزال، ولانها فن يحتمل التمويه بالتلاعب مع اللغة وتداعياتها المثمرة، فكل ما يأتي هو قصدية ودلالة ينبغي التوقف عندها، والابحار في متاهات قد لا تؤدي في النهاية الا لوجع في الرأس، وتأشير اسم من يكتبها لكي يتم تجنبه في القراءة القادمة.. وهذه النصوص لا يكتبها المبتدئون او ممن لا يمتلكون لغة رصينة، وانما العكس، بحيث يجبرونك على الصمت وعدم التشهير علنا بانك لم تفهم، فربما احتوت على جمالية” لؤلؤية “ تستند الى منهجيات النقد، والى جداول واسهم رياضية ولوغريتميات تجهلها!!
اللغة هي روح النص، والقارىء هو الجسد الذي ينبغي للروح ان تدخله لكي تدب الحياة، فنرى حركاته وانفعاله، ولا يتم ذلك الا اذا احتوت اللغة تشويقا وترقباً والماً انسانياً، تغري الاخر بالاستمرار والتنقيب عن جواهر النص ومخابئه السرية.. فنحن نقرأ الروايات العظيمة في الادب العالمي، لانها امتلكت روحا انسانية وتجربة فذة انسابت في هدوء الى اعماقنا، وتركت اثراً فنياً، ولم تكن اللغة سوى جزء يكمل الكل، ينقل الفكر والعاطفة والحس العميق للوجود.

 
 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM