”أنصاف المثقفين“ والمديح بما يشبه الذم حلاق اشبيلية.. غناء الفرح والسعادة الفوتوغراف العراقي في هامبورغ إعادة إعمار العراق في تقدم شعب يتطلع إلى بنية تحتية جديدة الزراعة تتبنى مشروع اعادة تاهيل المكائن والجرارات العاطلة الانتخابات تمثل منفذاً للكثير من الازمات وارجاؤها سيشرع الابواب امام الارهاب الحركة النسوية في كربلاء ما زالت دون الطموح 70 الف متفرج في اثينا استقبلوا وفدنا للمعاقين بالتصفيق المدوي الطلبة يشارك في بطولة كلكتا بالهند
الحارة البغدادية و تاريخ العدسة في العراق
كتابة وتصوير فؤاد شاكر
لم يغفل الفوتوغرافيون الاوائل ومنذ عشرينيات القرن الماضي بداية ظهور التصوير هنا جانب الالتفات الى الزقاق والحارة البغدادية وقد اخذوا على عاتقهم مهمة توثيق جوانب هذه الحارة والحياة المعاشة فيها وقد تبعهم في هذا الاتجاه الاجيال المتعاقبة من الفوتوغرافيين المحترفين والهواة المتقدمين بالاضافة الى كل من حمل الكاميرا عنا ليصور وهو مندهش بالمحيط البيئي الضاج بالصور الانسانية الحية اينما قلبت بصرك عليه غير ان السؤال يبقى كيف تناوله كل واحد منهم وفق السياق ذاته، كيف جاء التصوير الفوتوغرافي الى العراق وهو لمّا يزل قرية مترامية الاطراف تعيش مجتمعاتها البدائية ملامح العصر الباهت وتعاني من الجوع والمرض والفقر والحرمان وتتعامل بالمجيدي والليرة التركية اذ لم يكن العراق قد عرف التصوير في العهد العثماني بالرغم من شيوعه في اوروبا والعالم ولاسيما وانه كان من المحرمات على العامة من الناس ضمن المفاهيم الدينية الشائعة وقتذاك . في العام 1912 ابتكر العالم الشهير جورج ايستمان كوداك وهو مواطن بريطاني من اصل اميركي كاميرا لرول الصغيرة المحمولة على الكتف بديلا للصندوقية الكبيرة المثبتة على ثلاث ركائز وبهذا الحدث الهام انتهى عصر الرواد الاوائل من اوروبا والذين كانوا يجوبون بهذه الالات الثقيلة التي ينوء بحملها عشرون شخصا على الاقل الاصقاع البعيدة بحثا عن اللافت والمثير من الصور وبخروج تلك الالات من الخدمة بدأت ملامح عصر ساطع ومدو ٍ بعد ان تطورت وسائل الابصار واضحى بالامكان التنقل بها حيثما يشاء المرء وقد وزعت في لندن وحدها اربعة ملايين كاميرا منها وامتلأ الشارع اللندني لتلك الالة السحرية العجيبة اما العراق فلم يستاثر بهذا الاختراع الا بعد خمس سنوات من ظهوره لاسيما والحرب العالمية الاولى، كانت قد اندلعت في عام 1914 ومن نتائجها دخول الجنود الانكليز والهنود والسيخ والبرتغاليين شارع الرشيد في صبيحة يوم 11 اذار 1917 الى جانب بعض الجنرالات من القادة البريطانيين والقلة من السياح الاجانب الذين صوروا مظاهر الحياة العراقية وانماط العيش وما الى ذلك من معالم وتجمعات بشرية والحرب ما تزال قائمة على الحدود التركية من جهة الشمال حتى وضعت اوزارها في عام 1918 بعد اندحار القوات العثمانية اما زحف القوات البريطانية والمرتزقة من الهنود والسيخ والبرتغاليين كما ذكرت وقد اقتصرت مزاولة هذه الهواية على الوافدين الى البلاد من السياح والقادة الانكليز حصرا ولم تدخل الكاميرا الصندوقية القديمة بسوالبها الزجاجية البالغ حجمها 15× 12 انج والكابنسيت والبوست كارد الا في عام 1925 وقبل ذلك وفي عام 1921 جرى التحضير لاقامة الحكم لوطني واغلقت الحدود وبدأ التعداد العام للسكان كتمهيد لتنصيب ملك على عرش العراق تحت الانتداب والوصاية البريطانية وهنا لابد من التذكير بان كاميرا الرول الصغيرة والبوكس المحمولة باليد لم تدخل ميدان العمل الفعلي الا عن طريق من كانوا يهوون السفر والترحال والاهم ان اسرار الفن التصويري كانت وبذات الوقت حكرا على المتخصصين فيه وانهم القلة القليلة في ذلك الزمان البعيد . شهدت الفترة التي تلت العشرينيات اي النصف الاول والاخير من عقد الثلاثينيات تواليا تطورا ملحوظا على صعيد شيوع هذه الصنعة وكذلك انتشار محال التصوير خصوصا في مركز بغداد وشارع الرشيد وطلع الى دنيا الشهرة والضوء كبار المهنيين اول الامر وكان من بينهم جعفر الحسيني الذي افتتح ستوديو خاصا به تحت ذات الاسم في ميدان الحكومة القديمة وعرض نتاجاته التوثيقية التي التقطها لمعالم بغداد واحيائها الشعبية واستمر في استقبال المتذوقيين لهذا الفن ومريديه حتى الستينيات من القرن الماضي اما من بعده فقد جاء قدري الاهلي الذي اشتغل هو الاخر على خلفية فكرة توثيق ابرز معالم هذه المدينة العريقة التي حظيت باهتمام اغلب فوتوغرافي لتلك الحقبة من الزمن حتى صبوا عنايتهم باتجاه التاكيد على الدروب المتربة والنوافذ والشرفات المعلقة والجدران المصقوعة بالضوء الراخي عليها طوال ساعات النهار حتى غروب الشمس وعلى الماذن والحارات الغاضبة بمحاذاة نهر دجلة وفي هذه الفترة ايضا والتي كانت تعد فترة ازدهار وتنامي هذا الفن ظهر الفنان ارشاك الذي اختص بصور البورتريت الموظب داخل الاستوديو والمشاهد الحرة خارج ذلك المربع وفي اشهر صورة التي علقت بفاترينه حمله الواقع عند تقاطع جسر الاحرار لوحة تظهر الشاعر الزهاوي نائما على كرسيه وحوله تناثر اعقاب السكائر المنطفئة على الارض وقد اجاد هذا الفنان ذلك الضرب من الابداع التصويري حتى اقتيد المصور الخاص لقصر الرحاب والعائلة المالكة … الى جانب ارشاك كان المصور عبوش والمصور ريكس اللذين تقع ستوديوهاتهما عند مدوخل جسر الاحرار من جهة شارع الرشيد واللذان اختصا بتصوير المجتمع العراقي ورجال العلم والفن والادب والسياسة والاقتصاد وسائر من كان يهوي مراقبة المتغيرات التي تطرأ على شخصيته كل ستة اشهر على الاقل الا ان اولائك المصورين لم تكن ضمن اهتماماتهم صور الميدان المفتوح وحدث الحياة بينما كان المصور تولدورادو الذي اهتم منذ افتتاحه ستوديو خاصا به في الباب الشرقي والجهة اليسرى لنصب الحرية ابتداء من الثلاثينيات بتصوير معالم منطقة البتاويين وكذلك جزء احياء الكرادة المعروفة بتفردها المعماري المميز في ضوء نظرة الاعجاب والانشداد لذلك الطابع المميز وهو بالتالي ذلك المحاكي الذي استفاد من ارثه التصويري العديد من الرسامين من الرواد الاوائل في العراق لكنه وفي نهاية الستينيات اقفل الاستوديو وهاجر الى اميركا ثم تبعثر ارشيفه الصوري وظمر . لايفوتني التذكير بالطبع بان الفوتوغرافيين الاوائل ومنذ الثلاثينيات وحتى الستينيات راحوا يؤرخون لمظاهر الحياة في ازقة الكرخ والكاظمية والبتاويين والكرادة وابو سيفين والعمار وغيرها من مناطق بغداد وفي داخلهم احساس في ان الزمن يتاخر على كل شيء . بعد عشرين عاما جاء جيل اخر من الفوتوغرافيين وقد كانت مدارات الضوء في تلك الازقة والحارات حقلا لمن اغوته اللعبة الفنية هذه لاختبار ملكاته وكذلك المناورة بالامكانات التعبيرية التي تتيحها اداة الابصار وفي عام 1954 برز فنان فوتوغرافي يدعى لطيف العاني وقد بدأ مشواره الفني في العمل بشركة نفط العراق وقبل ان يجوب الميادين ادخل دورة تدريبية تعلم خلالها وعلى يد اساتذة ومعلمين انكليز مبادئ وابجديات الصنعة ولما فض يديه من ذلك اتجه الى تصوير الريبورتاجات الصحفية لمحبة اهل النفط التي نسب اليها فيما بعد والتي اخذت تنشر تباعا نتاجاته وهو يقوم بجولات في انحاء العراق والبلدان العربية المجاورة لاجل تغطية نشاطات منشآت الشركة وهكذا وجدته يستمر حتى عام 1960 في جرد مظاهر الحياة العراقية وبضمنها الزوايا المظلمة في الحارة البغدادية الى عام 1966 الذي اصدر فيه كتابه الموسوم” العراق في صور “ بعد ان وثق جميع مناحي الحياة الاجتماعية والصناعية والزراعية . ان العودة لحقبة الخمسينيات تنمي من المزيد من الاستذكارات البعيدة وفيها برز ايضا الفنان ناظم رمزي الذي اشتغل على خلفية فكرة (هذه الارض التي لابد لي من اطالة النظر اليها ) وقد عني انها الارض الغنية في الوقت الذي تجد فيه ان شعبها جائع ومنهوب وقد استمد ناظم موضوعاته من صميم المشهد الحي ومن اعماق تلك الحارة المليئة بالنماذج المقهورة وكان السارد المحنك في رسم ابعاد المشهد الماساوي . وقد جاء من بعدهم احمد القباني الذي درس الفن الفوتوغرافي في المانيا ثم عاد ليؤكد على تسجيل المهن والحرف الشعبية والازياء وما شاكل من مظاهر مالوفة وقد اعقبه بذات المعنى نزار السامرائي الذي بدأ حياته الفنية عام 1948 وهكذا وعلى المنوال ذاته الفنان عبد علي مناحي منذ الستينيات وكاتب المقال بتواضع جم وهادي النجار في الثمانينيات وغيرهم الكثير ومن هذا كله يتاكد ان الزقاق البغدادي كان المادة الخصبة لكل من حمل الكاميرا وصور عبر المراحل المختلفة من تاريخ العراق المليء بالاحداث والتغيرات.
©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي Design By KAA.COM