المثقفون يبيعون الكتب  فمن ترى يشتريها؟            العنف الايديولوجي والتسامح الفلسفي في خطاب فولتير              الآباريق موصلية..كيف حطت في المتحف البريطاني؟              وزير التربية: بناء 300 مدرسة جديدة وخطة واسعة لتطوير العملية التربوية              اجراءات امنية مشددة في المرافئ الجنوبية            الصحة تنفذ حملة واسعة لرفع اداء مؤسساتها            الحقيبة المدرسية .. قلق العائلة المشروع، والدائم            ضمن منافسات الدورة الرياضية العربية العاشرة    3 اوسمة ذهبية للعراق برفع الاثقال والملاكمة

اخر الاخبار

 

 

 

 

 

 

 

الشرق نصاً في ادب الرحلات

 

سعد محمد رحيم

 

* الشرق نصاً:
يؤسس الاستشراق مقولاته على ارضية سياسية ـ ايديولوجية قوامها تأكيد المركزية الغربية والتفوق الغربي المستند الى نظرية جنسية” عرقية “...
ان الاخر في مختبر الاستشراق موضوع” مادة بحث “ يخضع لدراسة هادفة” يسمى فيحدد، فيجرد من حدوده الاصلية، ثم تؤخذ سماته وتجتث من جذورها التاريخية “ ليقدم كما تقتضي موجبات الاستشراق ان يقدم..
وادب الرحلات جزء من ميراث الاستشراق الضخم، وما يتضمنه هذا الادب لا يمكن فصله عن الركام الفكري الهائل للمؤسسة الاستشراقية..

ان مئات كتب الرحلات واليوميات والرسائل المكتوبة على اثر معايشة ومشاهدات باتت رصيد الستراتيجية الغربية، والمصدر الاهم للمعلومات الاستخبارية عن الشرق. فمهما كانت دوافع الرحالة ونواياه فان ما انتجه من نصوص ـ تعرف بالشرق ـ كانت في الحقيقة تقارير تجسس ساعدته على تطويق الشرق واحتوائه، ومن ثم تمثيله والتحكم به..
وكان ينبغي لذلك ان يصور الشرقي كائناً مختلفا اولا، ومتخلفا دونيا ثانيا، وعاجزا عن تجاوز حالته بنفسه ثالثا، ومن غير الممكن ابدا ان يرقى الى مستوى الانا الغربية في انتاجه وابداعه رابعا. ولم يكن الهدف من وراء ابتكار هذه الصورة اقناع المثقف الغربي وكذلك الراي العام في الغرب بذلك حسب وانما تمويه الشرقي ايضا بأن هذه هي صورته، وهذه هي حقيقته في اطلاقها، ولا جدوى من ان يفكر ويعمل خارج هذا الاطار..
ولان الشرق هكذا تم تصويره وتقويله وتمثيله فقد وضع في قفص الوعي واحاطت به قضبان المعرفة واصبح تحت اليد، ومن الممكن ابقاؤه تحت السيطرة وترويضه، وبمرور الزمن تغييره وتكييفه وجعله نموذجا مستنسخا/ مسخا عن النموذج الاصلي ـ الغرب ـ.
تحويل الشرق الى نص تجسيد لثأر تاريخي.. يصير الاخر موضوعا.. يعطى شكلا وتتعين ماهيته بقسر التاريخ اذ يمثل الجزء الشاذ ما هو عام، ويؤطر المطلق على حافة النسبي، ويعلن عن اكتشاف القاعدة بعد ملاحظة الاستثناء العابر، وما تفرزها الظروف من انعكاسات يحكم عليها بأنها خصائص ازلية لصيقة بعد ابعاد شروطها التاريخية واذ ذاك يتم اللعب بالمنطق بما يدعم الموجهات الاولية ـ الواعية وغير الواعية ـ للدراسة والبحث...
وكل هذا يحتاج الى ضمانة الجغرافية وقد اخضعت لتشريح السياسة واغراضها.. ثمة الغرب في جانب، وثمة الشرق في الجانب الاخر وبينهما الفجوة..
الشرق وقد صار نصا موضوعا للمعرفة انتجت بفاعلية العقل الغربي ومنطقه. والمعرفة هنا” تعني الارتفاع فوق الانية، وعبر الذات، للوصول الى الغريب البعيد.. وموضوع معرفة كهذه هو، طبعا، عرضة للاكتناه المتقصي، وهذا الموضوع هو حقيقة قد تتطور، او تتغير، او تتحول بأية صورة كانت، وبالطريقة التي كثيرا ما تتحول بها الحضارات ولكنها مع ذلك، تبقى جوهريا، بل وحتى وجوديا” انطلوجيا “ ثابتة. وان نمتلك سلطة عليه والسلطة هنا تعني ان ننكر” نحن “ الاستقلالية عليه ـ على البلد الشرقي ـ وما دمنا نحن نعرفه، وما دام هو قائما، بالمعنى الذي نعرفه “1.
* الرحلة.. الرؤية والبطولة..
يكاد يكون توغل الرحالة في المكان الاخر ـ الشرق ـ تصديا لا يخلو من بطولة ـ وان كانت وهمية ـ ضد تيار الزمن وهذا الاحساس الذي يرافق هذا الرحالة يضفي على مغامرته بريقا رومانسيا.
”كان يرغب في ان يقابله الملوك عند محطة السكة الحديد لدى عودته من المجهول حيث كان ينوي انجاز اشياء عظيمة.. كان سيقول” ارهم ان ثمة شيئا مربحا فيك وبعد ذلك لن تكون هناك حدود للاعتراف بكفاءتك “2.
الرحلة الى الشرق رحلة الى اعماق الذات ايضا.. الذات التي تطرح على انها طبيعية مقابل غرائبية الشرق.. الذات التي تتبجح بالتفوق مقابل دونية الشرق.. الذات التي تدعي العقلانية مقابل بدائية وفطرية الشرق.. فالمجيء الى الشرق محاولة لترميم ما تصدع من الذات، والتسامي بحس الغرور لان الرحالة يأتي ليحكم بثقة بعد ان يدعي بأنه قد عرف فيلقي باحكامه بلغة واثقة ليصور للقارىء بأنه ذكي ولماح، وانه قد وقع على حقيقة الشرق او جوانب منها..
الرحالة في مؤلفه يحكم على الاخر ـ الشرقي ـ من خلال منظاره هو، ويقوله بما يعزز ذلك الحكم، ويصير الشرق مختبره الواسع الذي يجوب فيه ملاحظا ومراقبا.. محللا ومصنفا، ومستعدا لاصدار حكم..
ان الرحالة وهو يلاحق المشاهد العابرة يلتقط منها ما يوافق الصور القبلية التي ترسبت في لاوعيه بدءاً.. وبهذا يمكن ان يتحول الاستثناء الى قاعدة، والعابر الشاذ الى سمات اساسية لصيقة بذات الشرقي وشخصيته..
ان الرحالة الذي يرمي الى ادهاش قارئه واكتساب صفة البطولة غالبا ما يقع في منزلق اللاموضوعية.. والاسطورة الزائفة التي يريد منها ان تكون جواز مروره الى عالم المجد نجدها قد ساهمت في تشويش وعي الغربي” الذي لم يزر الشرق قط “ بحقيقة الشرق..
وبمرور الزمن اصبح كثير من مؤلفات المستشرقين والرحالة الغاما في الطريق الموصل بين الشرق والغرب وعقبة امام صدق وتكافؤ العلاقة بينهما.
* الشرق المصنوع والشرق الواقع..
عقود طويلة مرت، وحوادث كثيرة وقعت.. وتغيرات كبيرة حدثت على ارض الواقع، وبقيت تلك الكتب الخاصة بادب الرحلات بافتراضاتها واحكامها وصورها وتصوراتها جزءا من ميراث الفكر الغربي، غير ان ما حدث قد كسر الطوق ودحض الافتراضات، وهزأ بالاحكام وبين نسبية الصور وخطل التصورات..
ويمكن الطعن بموضوعية الرحالة من جوانب عديدة، فاولا ثمة الاحساس الخادع بالتفوق العرقي الذي يلون رؤيته اذ ينظر الى الاخرين من برج عاجي.. وثانيا سيطرة الصور القبلية المتراكمة في لاوعيه والتي تصيبه بالاستكماتزم وتجعل احكامه ناقصة جزئية او مشوهة او قاصرة، وثالثا مروره العابر الذي لا يوفر له فرصة الرؤية الصحيحة المتأنية..
برهن الشرق ـ المصنوع في مؤسسة الاستشراق الفكرية ـ بأنه ليس وجودا هلاميا كل ما يميزه هو الغرابة والسحر والسكون وليس فراغا محضا يمكن ان يتحضر بعون غربي وعلى وفق نمط يهندس في مؤسسات الستراتيجيات الغربية..
شرق اليوم عالم ثالث، او جنوب متخلف، او دول نامية.. شرق اليوم خارطة سياسية واقتصادية بالغة التنوع والتشابك والتعقيد.. صحيح هذا.. وصحيح ايضا ان شرق اليوم كيانات متشرذمة وشعوب مقهورة واحزاب وقوى متصارعة وارض مملوءة بمقابر خلفتها الحروب والصراعات المحلية، ولكنه الى جانب ذلك ارادة ناهضة، ووعي تاريخي، وتطلع الى الغد، وامكانات جبارة” بشرية ومادية وروحية “.

الهوامش:

1. ادوارد سعيد” الاستشراق: المعرفة، السلطة، الانشاء “ ترجمة كمال ابو ديب ـ مؤسسة الابحاث العربية ط1 س 1981 ص 64.
2. جوزيف كونراد” قلب الظلام “ رواية ترجمة نوح حزين ـ دار ابن رشد ـ ط1 ـ س 1979 ـ ص 100.

 

 ©2003 جميع الحقوق محفوظة لشبكة الاعلام العراقي
Design By KAA.COM