فاضل طلال القريشي*
نظرية المعرفة هي المسألة الاساسية في الفلسفة والبحث في العلاقة بين التفكير والوجود ، وربط العقل بالتاريخ واستقرائه ، ويولد الانسان وهو لا يعلم شيئا
ولا افكار فطرية تولد مع ولادته . لذا وبمرور العمر فان منهج مجموعة الوسائل المستعملة بالبحث في العلوم … (صدفة من هنا وهناك ولكن يبقى بحر المعرفة امامه مجهولا) . لذلك ان كل واقعة لها وجهان ديني وفلسفي ، وكلها من عظمة الرب المنشىء الاساسي اذ لا توجد تجربة انسانية موحدة بين الاديان وانفتاحها على بعضهما تؤدي الى سوء الفهم ، ويكون الاسلام مجرد سلاح الا ان النهب الاجنبي اصبح المقياس الاساس للتطور ، فالقيم والعلاقة الروحية والاخلاقية هذه ليست معيارا للتقدم والتاخر بل التقدم العلمي والانتاجي يؤدي اللحاق بركب الشعوب المتقدمة في التطور ، وعلى ان تكون العلاقات الجديدة تقوم على العدل والمساواة بين الامم لذلك ان العرب يسمون الهزيمة نكسة .
وتذهب الاموال الطائلة الى جيوب الطبقات الطفيلية وتجار الحروب ، ويبقى العمل الانساني هو الثروة الحقيقية ومساواة الشعوب جميعا في ظل العقيدة ، وان لاتكون سيادة طاغوتية تقنع الانسان بالاكراه وعليه فإن اي مجتمع حداثوي ديمقراطي يطور الوعي في الاختيار الفكري فالديمقراطية هي الشكل السياسي المجسد للحداثة عامة وللحداثة السياسية خاصة ، وان الحداثة ليست وصفة فكرية جاهزة بل جهد عقلي وفكري فردي وجماعي من اجل التخلص من مجتمع وثقافة عصور الانحطاط . فالحياة في العراق تتوقف على قدرة المواطنين على تغذية وتاطير الوعي العراقي باتجاه التطوير ، وهذا ياتي عن طريق مسالة التعليم الذي يتعلق بمدى انخراط الاجيال الجديدة في نوع من الترقية الاجتماعية ، وتطهير التدين من الكراهية وتحرير فهم الدين من افكار التطرف والتعصب والعدوان ، وتجفيف المنابع التي ترسخ مفاهيم الاستبداد ، او التي تعمل على تشويه نفسية المواطن وادماج المرأة في الحقل السياسي وهذا احد مؤشرات التمدن الاجتماعي والفكري خاصة الوعي التقليدي والتخلي عن النظرة الذاتية الا ان الحداثة حتمية موضوعية نتيجة الانتقال من التخلف الذي لا لون له ، فالثقافة التحضيرية للمرأة ما تزال جاثمة على النفوس والجامعات العراقية تعريف الطالب على معنى العقل والحداثة في التحديث والحرية والديمقراطية على اسس التحديث السياسي والفكري والاجتماعي وبادوات فهم اسس الحداثة ، لاسيما مسالة الديمقراطية والمشروعية المستمدة من الشعب في السلوك الانساني الحداثوي وتاطير وتوجيه الاجيال الجديدة في صناعة الوعي الشبابي بلغة المفاهيم العصرية في المتغير باتجاه التطور بعيدا عن التطور الهجين ، اذ لايتاح للمواطن ابراز فعاليته من سيطرة التقاليد الجائرة واطلاق حريته لممارسة ابداعاته ومسؤوليته حيث يبقى مكبلا بالتقاليد العشائرية التي لا تسمح له بممارسة فعاليته فالتخلص من الاوهام الاستبدادية والنرجسيات الضبابية والكذب على النفس والفكر المبرر والتمجيد للماضي ، وتكون مواقف مشددة لم تكن معروفة من قبل ، والتي لها وعي متاخر من دون ان تكون له مساهمات مع حضارات اخرى متفاعلة معها في السلوك الحداثوي ترعى فيها المصلحة العامة واخضاع كل شيء للعقل لا دولة رعاع ، بل دولة قانون ، ولا يتم ذلك الا عبر التربية الاجتماعية طويلة المدى باحترام القانون وتعود المواطنين عليه والتشبع به .
الحداثة منتشرة بيننا فهم البيئة والمجتمع والتاريخ والانسان يتطلب ذلك عقلا ومستوى فكرياً واعياً ، واذا اردنا ان نتطور فهناك طريق الحداثة من خلال التحديث الفكري وان لا سنظل خارج التاريخ ، لان الثقافات والمجتمعات القادرة على التطور هي المجتمعات الفاعلة مع الحداثة والتحولات الاجتماعية والفكرية في المجتمع العراقي والعالم . لان المجتمع العراقي ممزق بين التقليد والحداثة بعيدا عن حفظ النصوص القديمة عن ظهر قلب ، لذا لم يصبح بلدنا تحت شمس العصر لتنوير الفكر والانفتاح على الثقافات لفهم القانون والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية والانتقال من مرحلة التخلف الى مرحلة التطور والتقدم ، وان نعمد الى نهج التحديث في برامج التعليم والتربية والثقافة العقلانية الحداثوية ، ويبدأ هذا التنوير ابتداء من المرحلة الابتدائية والثانوية في المدرسة ، وفي المراحل الاخرى الجامعية والدراسات العليا ، وان نستدرج الى الحقل السياسي الذي يصل بالعراق نحو البناء ، ورفضه للارهاب والعنف حتى تنشط وتدخل مع القوى في المشهد السياسي ، فالعراق اليوم مطالب بتحديث منظومته التعليمية ومرجعيته في مناهج التعليم . مثال (ضرب زيد عمرا ) لماذا لا نقول (احب زيد عمرا) ؟ بدلا من اذكاء الكراهية في غياب الحب والتسامح وتسخير الموت كاداة بشرية للعقل فالتطرف والعنف له خلفية ثقافية وفكرية تبدا في المدرسة من المناهج التي اشرت اليها ، وعليه ان يكون التطور بشكل عصري وما هو حديث دون تسلط فئة على فئة بل تكوين صداقات مع الدول على اساس المصالح المشتركة بعيدا عن الصراعات الاجتماعية وسوء توزيع الثروة ومن خلال الهيمنة الطبقية وبدون تكليف يريدون ان يفرضوا انفسهم في عالم متغير . فالعنف والارهاب لا يمكن ان يزدهرا . الا اذا كان هناك تاطير ثقافي وتعبئة تمويلية ولوجستية فالذين قاموا بالعمليات الانتحارية قد يكونون منحدرين من فئات اجتماعية دنيا يعانون من الفقر وقلة ذات اليد والامية والاكتظاظ السكاني الى غير ذلك ، اي تقبل افكار راديكالية انتحارية ، او تكوين مذهبي طائفي، منطلق نحو ثقافة دينية ظلامية متشددة في فهم الدين او الارتباط بشبكات ارهابية بافكار عنف يكفر المجتمع والنظم الديمقراطية لذا فالدين يجب ان يخضع لقراءة عصرية عقلية وغير نقلية انسانية حديثة تسلط اضواء جديدة على الظاهرة الانسانية ، وعلى القوى الاجتماعية يمكن ان تنجز التحديث وخاصة النخب السياسية والثقافية والمرأة في حريتها وحدود عملها ولكن مع الاسف ان ثقافتنا ممزقة بين الثقافة التقليدية والثقافة العصرية وان نخبنا ممزقة ايضا كذلك وحتى النخب السياسية في الدولة العراقية . ترى مصالحها قبل مصالح شعبها ، فضلا عن النخب المثقفة المهمشة ، لكون النخب السياسية صاحبة القرار والمال.
فالنخب الثقافية والسياسية والادارية والعسكرية والمالية والتكنولوجية والتنكوقراط هي التي يجب ان تقود التغيير متعاونين جميعا في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبشكل مجتمع حداثوي ديمقراطي لتطوير الوعي في الاختيار الفكري فالديمقراطية هي الشكل السياسي المجسد للحداثة عامة وللحداثة السياسية خاصة فالحداثة جهد عقلي وفكري فردي وجماعي وهذا نابع من ضرورات تاريخنا ومن الرواد الاوائل من المثقفين والمصلحين وضرورة الانخراط في العصر واستجابة لتحديات العصر في صدمة الاحتلال التي ايقظت الوعي والحس الوطنيين ، وتبني رؤى حداثية عقلانية وتاريخية ونقدية للتراث والتركيز على ان التطور والتقدم لايتحقق مع اوهام واشباح الماضي الذاتية وتبني ارادة التحديث والتقدم باعتماد العلم والمعرفة الجديدة ويرى البعض ان الحداثة تمثل مجموعة من الشرور ويتبنون تصورا واسعا وجعلها مرادفة للاستغلال بينما الحقيقة هي حقبة تاريخية تجسدت في مكان وزمان معينين تعتمد الحداثة كعصر وليس مجرد حقيقة زمنية تفتح حوارا فكريا وعميقا بشان الاسس الفلسفية للحداثة وعدم حجب الثقة بين المواطن والحكومة لان ذلك يعني ان النخب السياسية لا تفكر بالمصلحة العامة وهذه هي المفارقة بين العمل السياسي والاستثمار الشخصي والمشكلة اننا نعيش في القرن الواحد والعشرين ، حيث ان البشرية قد ودعت القرن العشرين وهي على اعتاب حضارة متقدمة في المجالات كافة ، ونحن ما نزال نعيش بعقلية القرون السابقة بعيدا عن معرفة الانسان في تطور العلوم البيولوجية والطبية ، واكتشاف الكواكب والمجرات البعيدة من عوالم الفضاء .. الخ ، نحن نسير نحو عالم غير متكافئ يسيطر فيه القوي على الضعيف ، وتحكمه العولمة والثقافة الالكترونية ، ونحن شعب مستهلك ، وعنف يسود العالم اليوم في وحشية ناتج عن صراع في المعتقدات السياسية والدينية فالمتطلبات الحالية بناء دولة عراقية حديثة في تحديث المؤسسات ، ودمقرطة البنية السياسية وغير ذلك من متطلبات التحديث السياسي ، ولو ان السياسة ليست ميداناً اخلاقياً او مثالياً بعضهم ينظر للمناضل على انه قديس في افكاره وسلوكه او ممارساته ، فهموم الناس لم تكن سلطوية بل هموم معرفية او اقتصادية ، وبجانب اصبح الطبيب والمهندس ورجل التعليم والمحامون سياسيين ، واعتقد ان يكون نصيب المحامين في السياسة كبير بحكم تكوينهم القانوني ومعرفتهم اليومية بمشاكل المواطنين التفصيلية وان مهنتهم فيها دهاء ومعرفتهم بالقوانين ، ومن الخطا الكبير يتحول السياسي الى (كاريزما) رمز او براغماتي يجيد فن المناورة والتكتيك والضحك على الذقون ، وارى ان السياسي يحتاج لتطوير مستواه الثقافي العام تتمثل بمعالم الثقافة السياسية الحديثة والعقلانية لان في اتجاه تضليل المواطنين واصدار القوانين دون تطبيقها ، وتحديث النظم الى سياسة ديمقراطية حق مشروعه بالانتخابات والتمثيل الحقيقي والسيادة للشعب ، وكل ما ارتبط بالحداثة السياسية وبالتالي يصبح المجتمع الحداثي الديمقراطي هو مجتمع الحرية ، حرية الافراد والمرأة ، فتحرير المواطن من ضغوط التقاليد ومن المسلمات ومن قوة الماضي واستنساخه اي استنساخ التجارب القديمة العتيقة والخضوع لحكم الكارزما ، واعطاء الاولوية للعقل .
فالعقل شكل من اشكال القوة والمعرفة لكي لا تكون مغالطة تاريخية لذا فك الحصار عن الرؤية السياسية للعقل في هيمنة وصراع حضاري وثقافي بل رؤية فكر جديد فالتمسك بالماضي وثقله والتماهي معه معنى ذلك ان المجتمع غير قادر ان يبني المستقبل ، وبشكل تحول تدريجي من ثقافة تقليدية الى ثقافة متطورة لفهم التقنية والتجديد وغير محكومة بعقل الماضي بل بمنظور معرفي جديد هذا هو القانون الذي يحكم الفكر والتاريخ ، وان لاننساق وراء حداثة متسيبة او منفتحة بشكل مطلق ، بل انتصار العقل وتمجيد سيطرته في السياسة المعرفية امام تمزقات وصراع بين التقليد والحداثة ولا نكون تائهين فكريا في التعمل مع الغرب ، ولماذا لا نطرح المسائل في اطار الحوار؟ ويعلقنا حاضرنا ومستقبلنا عن طريق الحوار والاجتهاد وان نبصر برؤية علمية للمستقبل وبالاطار الوطني في العراق، وعدم خلق عالم متشابك من التناقضات لكون التراث يعيش معنا دوما مع همومنا واصبح اكياساً مملوءة منه تثقل ظهور المثقفين المبدعين وكل ذلك بسبب المناهج الجامدة في الكتب الدراسية بدلا من ان تكون مواد حية في العقول فالتراث اذا اردنا ان نحييه او نحركه سواء في الحياة المعاصرة او في التاريخ الحديث يجب ان نعطيه جرعات وننفض الغبار عنه، والا لا سبيل لتجاوز التأخر التاريخي لمجتمعنا واعادة تجديده بقراءة عقلانية وحداثوية لان اكثر مفاهيمنا مرتبطة بالعلم القديم اي الوعي التقليدي للمعرفة البشرية في العصور القديمة، ونحن الآن نعيش عصر المعلوماتية وتكنولوجيا الاستنساخ والسياحة الفضائية. مجتمع المعلومات والاعلام والتحولات الحديثة في العلم المتمثلة في الديمقراطية والتقدم والتطور وفاعلية الانسان. اي تحول نوعي من مرحلة الى اخرى ولهاث مستمر نحو الجديد وانشداد قوي نحو المستقبل وتقلص المسافات مع العلم المتقدم المتحضر الذي هو جوهر الحداثة كرؤية ونظام وروح التي لم يألفها نظام الوجود التقليدي النقلي وصراعه الكبير والطويل، ويكفي ان نحول لغتنا من الهزائم التي واجهناها في القرن العشرين، ونسميها (نكسات). بل نحتاج الى نشوء دولة ونظام ديمقراطي حقيقي وبحكم دولة القانون الذي يخضع للمراقبة والمحاسبة ومحاسبة المسؤولين على نزواتهم وخاصة من قبل هيئة النزاهة والمفتش العام في الوزارات جميعا سيحد الى حد كبير كم ظاهرة الرشوة ونهب المال العام، واذا أدوا واجباتهم بصورة جدية. فالرشا والفساد الاداري والمالي آفات بنيوية في اي نظام اجتماعي تعاني منه كل الدول بما في ذلك الدول المتقدمة. الفرق هو ان الرشا في الدول المتقدمة تعد جريمة وطنية واخلاقية بالنظم السياسية وبنظم المجتمعات، واصبحت في العراق مع الأسف ثمنا للولاء السياسي. بينما يجب ان يخرج منه الى نور الوعي وتحديد المسؤوليات لبنائه وبعيدا عن الارهاب المتمثل بالشر (الاختطاف، القتل، العنف، تهجير العوائل الآمنة من مناطق سكناهم) ومن يقف وراءهم ويقينا ان في التاريخ الحديث. لا يمكن قيام اية نهضة الا بالوقوف صفا واحدا بوجه كل هذه الاشكال القبيحة، وبدرجة المشاركة السياسية الحقة واكتساب الفرد صفة المواطن صاحب الحقوق بالدرجة الاولى وتحريره بالاعتماد على آليات الديمقراطية والانفتاح على العالم الحديث في حركة عقلانية شاملة تسودها المحبة والتآخي وحقوق الانسان، وإلا سنبقى واقفين متخلفين عن ركب الحضارة.