وعلى أية خطوط اجتماعية والكثير من شعره السياسي واليومي والمعرفي والجمالي يندرج في شعر( الصدمة)التي تحيي العصب الميت في مجتمع عاش ويعيش في بيئة محلية مخنوقة تتنفس ببطء شديد عندما وصل الملك فيصل الى العراق طلب من الزهاوي أن يكون شاعر البلاط(شاعر الملك) رفض الزهاوي هذا الطلب وفسره ملك تحركه مشاعر بدوية-أن الرفض ينطوي على(اهانة) لكن الزهاوي الذي ظل يتساءل منذ صعوده الادبي في بغداد والقاهرة ودمشق-لماذا نحن نتأخر وغيرنا يتقدم؟ أن ارتباطه ببلاط الملك يعني سيتخلى عن وظيفته الاجتماعية بوصفه أحد محركي(اليقظةالجديدة).
في هذا الوقت بدأ الزهاوي(يفل) ثلاث عقد محكمة تعيق بناء بلد مهدم وبناء مواطن مهدم أيضا عقدة العقل وعقدة الحاكم وعقدة المرأة و التعليم في العراق هناك عقل قديم يكره الحياة والاعمار والصناعة والعلوم والتعليم والارادة الحرة للانسان وهذا العقل بدائي استبدادي(معياريته في-ذاته) يصنف الناس درجات ومراتب ويرفض العدالة العامة وكان يمثل هذا الاتجاه القديم الباسط سلطته على المجتمع في بغداد العشرينات -الشيخ سعيد النقشبندي رجل دين وعضو بارز في حزب قومي يسمى العهد- أسسه نوري سعيد مع مجموعة من الضباط وقد وصف الشيخ سعيد النقشبندي(كانت اراؤه طائفية ومحافظة وفي احدى المرات سافر الى سامراء ليؤلب الناس هناك على السيد الشيرازي وانفجر نزاع طائفي كاد أن يعم العراق)مثلما أشار ابراهيم يونس السامرائي في كتابه تأريخ مدينة سامراء.
وهناك عقل حديث معياريته(خارج ذاته) يسعى الى ضبط المجتمع في قواعد عامة تحت سلطة وحيدة هي سلطة الدولة وقوانينها.
هذا العقل يرى الاهتمام بالعلوم ونشر التعليم الحديث وتطوير الصناعة والاحتذاء بالامم المتقدمة واحترام الشعب وتوفير حياة لائقة له هو السبيل الوحيد لبقائنا امة حية بين الأمم -كان الزهاوي المبشر والرائد في الدعوة الى تحديث البلد والمجتمع
يقول في قصيدته:
غير أني أرتاب في كل ما قد
عجز العقل عنه والتفكير
لم يكن في الكتاب من خطأ كلا
ولكن أخطأ التفسير
تكاد تكون ذات المحنة التي تعرض لها المفكر المصري حامد نصر أبو زيد على يد الشيخ عبد الصبور شاهين لاحقا-وكل ماقاله أبو زيد هو أن النص الديني يتألف من قسمين القسم الاول هو نص التنزيل(نص مقدس وثابت) والقسم الثاني هو نص التأويل(نص بشري متغير) كتبه رجال دين ونصوص التأويل أصبحت قديمة ولا تتناسب مع الحاجات والمشاكل والمستجدات التي تتطور وتتسارع في كل حقبة ونصوص التأويل القديمة تعيق تطورنا وتسفه عقولنا وتجعل منا مجتمعا من التنابلة تتحكم فيه فئة صغيرة من خلال الزجر والترهيب
تلك هي الفكرة المبصرة التي بشر بها الزهاوي-شعر الشيخ سعيد النقشبندي أن هذا الشاعر يعمل على تقويض سلطة رجال الدين في بغداد من خلال الدعوة الى وضع شروح جديدة لنصوص التنزيل تساعد المرأة المسلمة على التعليم والعمل وارتداء الملابس المناسبة التي تتلاءم مع العصر الذي تعيشه(انظر كيف تم اليوم لف المرأة العراقية بجلابيب باكستانية وخليجية وتكاد تختفي-العباءة السوداء-التي أضفت على المرأة العراقية حشمة وجمالا طوال عقود عديدة واقترنت العباءة شأنها شأن النخلة ونهري دجلة والفرات بالعراق وحده) كما يدعو الى التعاون مع الانكليز والاستفادة من علومهم وخبرتهم كأمة سبقتنا-يقول الزهاوي:
كيف يسمو الى الحضارة شعب
منه نصف عن نصفه مستور
صال الشيخ سعيد النقشبندي وجال في خطب الجمعة متهما الزهاوي بالزندقة ثم ألف كتابا عنوانه(السيف البارق في عنق المارق) طبعا هناك رجال دين آخرون متنورون ولديهم وعي بضرورة تجديد(الخطاب الديني) كما نرى اليوم في كتابات المرحوم السيد محمد حسين فضل الله والسيد حسين الصدر والشيخ فرحان الساعدي والسيد صدر الدين القبنجي ومجموعة من رجال دين شباب في حوزة النجف الأشرف ومحاضرات الشيخ أحمد الكبيسي واتجاه الوسطية الذي يتقدمه الشيخ احمد عبد الغفور السامرائي اضافة الى جهود الشيخ طه جابر العلواني في دعوته الى اخضاع مباحث الفقه الاسلامي الى الدراسات التأريخية وعدم فصلها عن زمانها ومكانها وعدم القبول بها كأحكام مسلم بصحتها.
ما قاله الزهاوي أن العقل الحديث لا يتناقض مع نصوص القرأن لكنه يتناقض في جانب كبير مع نصوص رجال الدين-أدرك الشيخ النقشبندي أن الدعوة الى تجديد نصوص التأويل اضعاف لها وسيتبعه اضعاف لسلطة رجال الدين على العامة من الناس لذلك ذهب الشيخ النقشبندي الى الوالي ناظم باشا طالبا منه معاقبة الشاعر الزهاوي استجاب الوالي-فصل الزهاوي من وظيفته وحجر في بيته حتى دخول القوات البريطانية الى بغداد
وهروب الوالي وما تبقى من الاتراك-كما أسلفنا في عهد الادارة البريطانية الجديدة يظهر مرة أخرى الشيخ سعيد النقشبندي زعيما لحزب العهد القومي-فرع بغداد.
لنأخذ هذه الاشــــــــــــارة من LONGRIGG في كتابه الهام -العراق من 1900 الى 1950 التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي المنشور عام 1953 نيويورك(علماء الدين الشيعة يشعرون أنهم سيفقدون سلطتهم الى الابد في ظل ادارة حديثة أجنبية أما بالنسبة للسنة مايزال الحنين الى الخلافة العثمانية باعتباره المصدر الوحيد لعودتهم الى فرض سلطتهم على البلد) ص113 .
العقدة الثانية التي فعلت فعلها في الحيلولة دون تطور البلد وتطور المجتمع كانت في النخبة الحاكمة -ارتبطت صفة الاستبداد بالحكومة العراقية في كل أدوار التأريخ ولا يصدق الحاكم نفسه الا اذا كان مستبدا ويشعر أن سن قوانين فيها حقوق عامة تقلل من مركزة سلطته وسيخسر حاجة الناس اليه والتماساتهم وخضوعهم لذلك يركز كل السلطة في يده وهذا ينطبق على الوزير والمدير ومسؤول الدائرة-انظر كيف تتبدل القوانين في دوائر الدولة ويستعاض عنها بضوابط وتعليمات تعزز سلطة الوزير والمدير وتتعب المواطن وتضّيع حقوقه - نزعة الاستبداد هي مرآة الحاكم الوحيدة التي يرى فيها صورته حاكما
-وجه الزهاوي نقدا حادا للسلطان العثماني رمز الحاكم المستبد
أيأمر ظل الله في أرضه بما
نهى الله عنه والرسول المبجل
فيفقر ذا مال وينفي مبرءا
ويســــــجن مظلـوما ويســــــــبي ويقتل عام 1918 هو العام الذي تتشابه فيه أوضاع العراق مع ما نعيشه اليوم في الصورة والتفاصيل ونمط الافكار السائدة والولاءات السياسية المتصادمة فقد وزع الحاكم المدني أرنولد ولسن ثلاثة أسئلة على العراقيين شملت الولايات الثلاث آنذاك-بغداد والموصل والبصرة وكانت الاسئلة كالتالي:
1 -هل ترغبون بحكومة عربية تحت الحماية البريطانية وتشمل الحدود الشمالية لولاية الموصل الى الخليج؟
2 -هل تريدون حاكما عربيا يحكم العراق؟
3 -من تعتقدون له الحق ليكون حاكما؟
تشير المؤرخة الامريكية cara w.f hyson التي-نشرت وثيقة استفتاء 1918 وعلقت عليها من أن الاجابات التي وردت من المكونات الثلاثة آنذاك الشيعة والسنة والأكراد مختلفة وتشير الى مشاعر متناقضة يسودها عدم الثقة والحذر بين هذه المكونات-لذلك ظهر اتجاهان متصادمان- الاول اتجاه الحاكم المدني( ولسن) رفض أن يسلم السلطة الى فيصل وعصبة الضباط العراقيين ذوي الميول العثمانية وعلل ذلك أن الشيعة والاكراد سيبعدون عن المشاركة الفعلية وأنهم أزالوا الباشا ناظم ليحلوا محله الباشا نوري السعيد والحل في رأيه تدريب العراقيين على الانتخابات والمجالس المحلية والتداول السلمي للسلطة وصناعة موظفين اداريين محليين يتعلمون الكفاءة والنزاهة تحت أشراف ادارة بريطانية عند ذاك يستطيع العراقيون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم-طبعا دعاية الملك وضباطه من دمشق شوهوا صورة -ولسن-واعتبروه استعماريا صليبيا يسعى الى التبشير بالمسيحية وأثاروا العامة من الناس عليه وبعض رجال الدين-الاتجاه الثاني قادته مسز بيل مساعدة -ولسن-من أن الطريقة الفضلى لتهدئة الاوضاع تسليم السلطة الى فيصل وعصبة الضباط مع مشورة بريطانية في الاخير فاز اتجاه مسز بيل وخسر-ولسن-رأيه وفي عبارة ذكية وردت في رسالة الى أمه كتب ولسن(أن مستقبل العراق سيكون شائكا).