الصناعات الشعبية المحلية -من وسائل التبريد

 

 


المسحرجي..نجم ليل رمضان القديم

 

 


 

 

 

آراء: صورة القائد ومفهوم المواطنة

 
 


محمد جراد
ذات مرة وأنا احضر التدريبات الأولية لمسرحية تعبوية في زمن النظام الدكتاتوري السابق في العراق وكان من متطلبات تلك المسرحية صورة(للقائد الرمز) وعلم العراق



وحدث في تلك التدريبات إن سقطت تلك الأشياء على الأرض بينما كان احد الموظفين يحاول نقلها من مكان إلى آخر فأسرع ذلك الرجل وسط هلعه الكبير لرفع صورة القائد وازالة ما أصابها من تراب وترك العلم على الأرض دون أن ينتبه إليه ,وبينما هو كذلك توجه المخرج إلى العلم ورفعه من الأرض وقال للرجل بصوت منخفض ( إن الرؤساء يذهبون ويأتي غيرهم ولكن العلم هو الذي يبقى) ..

حينما مر بي ذلك الموقف حييّت في داخلي شجاعة المخرج وتوقفت كثيرا عند تصرف الرجل الآخر الذي بدا منقادا لاتخاذ موقف لا يعي تفاصيله ولكنه مشى على خطى سيكولوجية الحشود المنقادة والخاضعة لشخصية الحاكم السلطان الذي تأصنم وجوده و تشخصنت سلطته بعد أن اختصر جميع الرموز الوطنية في البلاد ومنها العلم بشخصه و تمكن من بث الخوف والرعب بين صفوف الناس ومنهم هذا الموظف وباقي الذين يعيشون تحت حكمه ليحول هذا الرعب والخوف إلى أساطير تمجد وآلهة تعبد اذ يحاول الحاكم المتسلط من خلال أدواته المختلفة التي تساعده في تقوية أركان حكمه تضخيم سيرته وأهميته الذاتية ويحاول إيهام الشعب بعظمة انتماءاته وقوة أدواته من خلال استعراض هذه الأدوات كالاستعراضات العسكرية وإشاعة القصص التي تروي قوته الخارقة و امكاناته البطولية في البطش بأعدائه بشكل يروع ذلك الشعب الذي يقوده ,ويدخل اليأس في نفسه في إمكانية التصدي له والوقوف بوجه هذه الأدوات المرعبة ولقد كان كل ذلك حاضرا في العراق زمن الحكم الدكتاتوري حيث كان النظام لا يتوانى عن استعراض قوته العسكرية ويدعي امتلاكه أسلحة لا يمتلكها في الحقيقة ,ووصل الأمر إلى استعراض القوة الشخصية من خلال ظهوره وهو يمسك البندقية بيد واحدة ويعبر النهر سباحة ويضاف إلى ذلك تسخير عدد من الأقلام لكتابة سيرته كما يريدها هو لا كما هي موجودة فعلا وأبرازه كمنقذ وهذا ما تجلى بوضوح في ( الأيام الطويلة) .

ومن جانب آخر يحاول النظام التسلطي من خلال أجهزته أن يقنع المواطن البائس بان أي خير يصيبه مهما كان بسيطا وأي تغيير ايجابي يحصل حتى تغيير المناخ إنما هو من مكارم الرئيس وان كل ما يصيبه من مصائب حتى قلة الأمطار وكل ما يعانيه المواطن من منغصات فهي نتيجة عصيان ولي الأمر ولهذا فالواجب يحتم عليه أن يطيع أوامر ولي نعمته ويخضع لجبروته ليتجنب غضبه ويحظى برعايته و إلا فان حياته وحياة من يحب ستتحول إلى جحيم لا يطاق وربما سيتعرض لسلسلة من المصائب والفواجع التي لا تنتهي,وسيؤدي ذلك بالتالي إلى ضياع مستقبله وخسران كيانه , وهكذا تصبح الشعوب أسيرة لمتطلباتها و حاجاتها الأولية المباشرة فلا تهتم إلا بتامين ظروف معيشتها ولا تسعى إلا لتعزيز أوضاع أمنها ولا تبغي سوى الحفاظ على شروط بقائها ولهذا فمن الواضح كما يقول الفيلسوف الماركسي (جورج لوكاش) “ انه كلما كان امن الفرد موضع خطر و كلما كان وجوده مهددا صارت سهولة التصديق اكبر.

“وكل هذا يساهم في التغيير السلبي فبدل أن نحصل على مواطن لديه حقوق وواجبات ويشعر بأهمية تفاعله في المجتمع سيتحول ذلك الشخص المحكوم إلى مجرد فرد لا حول له ولا قوة مسلوب الإرادة وممسوخ الوعي يستبطن سيكولوجية الشعوب المنقادة وكل ذلك يؤدي إلى غياب مفهوم المواطنة الحقيقية التي هي أساس الإبداع للفرد في المجتمع الذي يشعر فيه المواطن انه يجب ان يقدم الواجبات مقابل الحقوق التي حصل عليها لان وسط هذا الوضع لا يتحول الفرد إلى شخص ثم إلى شخصية مستقلة مميزة ومبدعة بل يتحول إلى نسمة او رقم من أرقام الرعية, فضلا عن دور المؤسسات الدينية والتعليمية التابعة لذلك النظام والداعمة له و التابعة إلى مصاف العبادة الشخصية حيث القائد الرمز يغدو فوق القانون واهم من الدولة وأسمى من الوطن وأعظم من الشعب وأبقى من التاريخ حيث شهدنا جميعا في العراق ورود الدعاء من الله بحفظ القائد في مضمون خطب الجمعة لدى رجال الدين في عموم البلاد.

وهكذا المؤسسة التربوية والإعلامية وجميع المؤسسات التي تدعم الأنظمة الدكتاتورية. ونتيجة لكل تلك الممارسات فان مفهوم المواطنة يفقد دلالته السياسية وتضمحل قيمته الحضارية في إطار المجتمعات التي تحكمها فوضى المزاجية الفردية المتسلطة بدلا من ضوابط القانون الوضعي القائم على مرتكزات العدل والمساواة لأن قياسات المواطنة الصالحة في النظم الشمولية قائمة على مدى الولاء الممنوح ( للقائد) بدلا من الولاء للوطن وبالتالي نجد بان هذه الانظمة حين تتلاشى وتسقط لا تترك مقومات دولة بمعناه المعروف بل تترك أرثا سيئا كما حصل في العراق بعد زوال هذا النظام حيث اضطررنا لإعادة بناء الدولة من جديد في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية

 
 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 

 

· البحث في اخبار آراء
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في آراء:
حـمـلة دعـم نـاجـي صـبـري الحــديثي !