د. برهان الفتلي
أستفيض الما كلما مررت به وهو يفترش عتبة الدار وحيدا ساهما لا يقطع شروده الدائم غير ضجيج السيارات المسرعة واصوات الباعة المتجولين ومشاكسات الاطفال اللاهين في الطريق، ولعل اقرب المقاطعات الى قلبه عبارات التحية التي يتلقاها من الجيران او المارة..
انه الحاج سعدون كما يلقبونه والدكتور سعدون كما يلقب نفسه والدكتور الحاج كان في شبابه مضمدا مجتهدا اسدى خدماته الى افراد محلته صغارا وكبارا ولم يكن يتردد من الهروع الى نجدة المريض ليلا ونهارا مقدما ما يستطيع تقديمه في حدود معرفته المتواضعة وان كان لا يراها كذلك ورغم انه زوج لامرأتين تسكنان معا نفس الدار واب لعشرين من الابناء والبنات والاحفاد الا انه يبدو وحيدا ضجرا..
وغالبا ما يستفزك لتسأله عن السبب يصف لك بحرقة عقوق افراد عائلته الكبيرة وعدم اهتمامهم به وانصرافهم الى شؤونهم الخاصة.. لينتهي للقول بانه لايحتاج الا لمن يجالسه ويحدثه بعض الوقت ليس الا..
نموذج الحاج سعدون ليس نادرا في مجتمعنا فهو مثال للكثير من كبار السن نساء ورجالا كما انه ليس نموذجا شائعا فغالبية العوائل والابناء ترتبط بعلاقات حميمة مع كبار السن من الاجداد والاباء والامهات والاقرباء عموما بل مع سواهم من الجيران والمعارف ويعزى ذلك الى تأثير القيم المجتمعية السائدة ومقدماتها الدينية والتربوية والانسانية ولذلك فمن الطبيعي ان يتبارى الافراد والعوائل الى رعاية الكبار والمرضى والعاجزين وهذا سلوك اجتماعي وانساني نبيل يسجل للمجتمع الشرقي عموما، وفي واقع الامر فان رعاية الكبار واجب نافذ وحق مؤجل لنا جميعا، انه واجب ننجزه اليوم وحق نطالب به غدا عندما يتقدم بنا السن ونتبادل الادوار مع ابنائنا واحفادنا كما هي سنة الحياة منذ الازل، الا ان رعاية الكبار لا تقتصر على العناية بهم وتوفير متطلباتهم اليومية ولكنها يجب ان تمتد الى ما هو ابعد واعمق من ذلك، انه النجاح في الغاء شعورهم بالوحدة، والسلبية وامتصاص وقتهم الطويل الرتيب والمخيف احيانا واشغاله بالاعمال والهوايات والفعاليات او حتى الاحاديث المحببة آخذين بالاعتبار تقادم التجارب واختلاف الاجيال واشعارهم بأهمية خبراتهم وغنى عطائهم ولاشك ان ذلك لا يخلو من فائدة كبيرة لنا كما انه يمثل مدخلا هائلا واصيلا في ادخال السعادة الحقيقية في قلوبهم.. ولعل هذا ما كان يفتقده الحاج سعدون على وجه الدقة، وللقيام بذلك فاننا نحتاج الى الوقت الذي قد لا يتوفر لنا ولكن الحقيقة اننا نتذرع بذلك كثيرا فكم منا يتبرم من مجالسة ومحاورة الكبار لعدم وجود لغة مشتركة معهم او بسبب التقاطع مع طروحاتهم وافكارهم وعدم جدوى نصائحهم لنا ونصائحنا لهم.. انه نوع من الحلقة المفقودة بين جيلين كل يرى الحياة بمنظاره الصحيح كما يعتقد وهنا يكمن السر في فهم وادراك وجهل او تجاهل ماهية التواصل مع الكبار، التواصل المفضي الى تحقيق ذواتهم وممارستهم للحياة في تفاصيلها في آن معا.. وازاء هذه المهمة لابد من تضافر الجهد الاجتماعي المنظم اضافة الى الدور الفردي ليكمل احدهما الاخر في تحقيق هذا الهدف اي لابد من تأسيس وتفعيل دور المؤسسات والجمعيات والمنتديات المعنية برعاية الكبار وتحويلها من (دور عجزة ومصحات ومستوطنات) الى منظمات متعددة النشاطات تقيم المحاضرات والندوات وتنظم الرحلات والزيارات لهم وتشركهم في ادارتها وتطويرها كما تعمل على تكوين جمعيات فرعية لذوي الاهتمامات والمهن والهوايات وربما الامراض المتماثلة لخلق جو اجتماعي واسع ومتحرك يوفر فرص اللقاء والتعارف والحوار وتبادل الخبرات والمراسلات والتجارب وربما انجاز بعض المشاريع المشتركة المفيدة لهم وللمجتمع كاصدار الصحف والمجلات وتأليف الكتب وما سواها.
ولا يخفى دور المرجعيات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والمهنية وكذلك القنوات الاعلامية والتربوية ومراكز البحوث والدراسات في استقطاب ورعاية الكبار من خلال تبني مشروع وطني يتضمن اعلان الدفاع عن حقوق المسنين خاصة وان مثل هذا المشروع لا ينطلق من فراغ ولا يحتاج الى تأسيس بقدر ما يحتاج الى تفعيل وتطوير لانه يستند الى موروث اصيل وتراكم ايجابي لابد من استثماره في ارساء نظام تأمين شامل للمسنين يؤمن لهم اقصى درجات العناية والرفاهية كما نتمنى ويتمنى الحاج سعدون الذي يصف المسنين كما يصفهم الاخرون بانهم خيمة الحكمة و(بركة) البيت وكما تجزم الانسة شذى بان اسعد لحظاتها هي سماع صوت ابيها وهو يصلي الفجر والاستاذ شهاب ذلك الرجل الستيني وهو يخاطب والده المعمر المحتضر: اطال الله عمرك لاخدمك اكثر واتلذذ (بعدوانيتك) المحببة، انها صور انسانية رائعة ولا شك يستحقها المسنون كما يستحقون منا وقتا اكثر وتقربا وتفهما وتفاعلا وتجاذبا حيا حميما يهيئ لهم ممارسة الحياة لاتمثيلها انهم بحاجة الى الحب لا الى العطف والمصداقية لا المجاملة ولتكن زيارتهم ومجالستهم حقاً وواجباً وليس (اسقاط واجب)..
اما هذا الذي يبدو في الجانب الاخر النادر والقاتم حيث النظر اليهم كـ(عالة) ومسؤولية تقليدية لاطائل منها وخاصة اذا ما اصيبوا بالعجز او المرض الشديد او كانوا غير ميسورين هناك ابناء مارسوا العقوق مع ابائهم واجدادهم كالابعاد والاهمال وربما التقريع وحتى الاذى النفسي والجسدي والعياذ بالله.
وبعد هل نرى اليوم الذي تتكفل فيه الدولة والمجتمع بتأمين الشيخوخة تأمينا صحيا واجتماعيا شاملا كاملا؟
وهل نشهد الوقت الذي تنظم فيه المنظمات المعنية السفرات السياحية والترفيهية للمسنين داخل العراق وخارجه؟ هل سنشاهدهم وهم يمارسون الرياضة الملائمة والمحببة لنفوسهم في نواد فارهة وملاعب خضراء فسيحة؟.. انها احلام واهداف علها تبدا بتخصيص او تسمية يوم وطني لكبار السن في العراق.