التعليم المهني.. الرافد التنموي المهمل

 

 


يفرضها العوز وتغير الأحوال

 

 


 

 

 

ثقافة وفنون: رمادنا المتبقي من ( جبة الدرويش)

 
 


إعداد: علي دنيف حسن:
ثماني قصص قصيرة وثلاث وعشرون قصيدة نثرية ضمها كتاب (جبة الدرويش.. شعر وقصص) هو كل ما تبقى من رماد الشاعر (طه الطاهر) الذي مات محترقا باختياره في عام 1998



بعد ان أوصد غرفته واشعل النار في جسده وبما تبقى في غرفته من آمال وحاجيات واثاث وذكريات. لقد انهى الشاعر المولود في عام 1949 في مدينة كميت احدى مدن محافظة ميسان في الجنوب حياته بهذه الطريقة المأساوية، تلك الحياة التي كانت طافحة بالخراب والدمار تظللها احيانا غيمات الاماني وسراب الامل الذي لم يلملم الجراح. جراحه التي مافتئت تتناسل حتى اورقت وتضخمت واصبحت سرطانا شرسا ألم بحنجرته الصافية التي طالما صدحت بالمواويل وأهازيج الجنوب العراقي العابق بالأسى والشجن. لقد عكر ذلك السرطان المقيت حالته النفسية واسدل ستارا مريرا على نوافذ حياته المترعة بالذكريات العتيقة لعوالم الطفولة والمشاكسة في اهوار الجنوب وآماله اللاحقة والمستلبة ابدا في بلد يرتوي من محن الاستلاب حد الثمالة. كتب مقدمة هذه المجموعة الناقد كريم النجار متحدثا عن علاقته الحميمة بالشاعر وكاشفا لنا بعض ظروف حياته المأساوية وتجليات ابداعه في مجال الكتابة، معرجا بين الحين والحين الى شواهد حقيقية تدعم ما ذهب اليه. وقد اعقب هذه المقدمة شهادتان: الاولى شهادة يسود اجواءها الحزن العميق، كتبها صديق طفولته الشاعر المعروف عيسى حسن الياسري الذي كانت تربط عائلته صداقة حميمة بعائلة الشاعر الراحل في احدى قرى الجنوب. والشهادة بكاملها عبارة عن قطعة شعرية آسرة من المشاعر الصادقة وانعكاسات واقع المأساة التي عاشها الشاعر الرحل (طه الطاهر).
وقد انارت هذه الشهادة الكثير من ايام طفولة الشاعر الراحل في (ام البشوت) وهي منطقة ريفية تقبع في محافظة ميسان الجنوبية.
وضم الكتاب في صفحاته الاخيرة ثلاثة مواضيع استدراكية كتبت بعد رحيل الشاعر الفاجع، كان اولها بعنوان (اعتذار متأخر جدا) كتبته الأديبة ابتسام يوسف الطاهر وهي احدى قريبات الشاعر (بنت اخيه) تحدثت فيه عن ظروف جمع وطباعة هذه المجموعة بعد الرحيل المفاجئ للشاعر. واشارت بآرائها النقدية الى الكثير من اعماله الشعرية والقصصية لانها وبحكم قرابتها العائلية للشاعر، كانت اقرب الى ظروف كتابة اعماله هذه.
وكتب الناقد التشكيلي قاسم الساعدي المقيم في هولندا عن علاقته وصداقته للشاعر الراحل حيث كان احد المساهمين بنشر كتاباته خارج العراق.
وفي الختام كتب ثائر ابو زيدون مقاطع مسرحية استوحاها من ليلة الشاعر الاخيرة ويبقى موت الشاعر (طه الطاهر) بهذا الشكل قمة من قمم الاستلاب التي عاشها المواطن العراقي بشكل عام والمبدع العراقي بشكل خاص فالكثيرون منا كانوا يتمنون مثل هذه النهاية في ظل الدكتاتورية واجوائها البغيضة. لكن القليلين منا كذلك هم من كانوا يمتلكون الشجاعة للفوز بهذه النهاية الاحتجاجية على شراسة الحياة في تلك الايام.
لقد تحول الشاعر في نهايته تلك الى رماد ما زلنا نتنفسه حتى هذه اللحظة ولا نبالغ اذ قلنا انه رمادنا نحن بالذات. نحن الذين ما يزال الاشتغال على انماط الحياة اليومية المتكررة يلهو بنا على مستويات عديدة يأتي في طليعتها قلة اكتراثنا لما يحدث لاخوتنا المبدعين من مصاعب وازمات تخدش الوجه الانساني لوجودهم. وتزداد قضية رحيل الشاعر (طه الطاهر) مأساوية وعنفا وشراسة حين نبدو غير مكترثين لها باي شكل كان. فحتى هذه اللحظة ما زلنا اسرى سلوكياتنا القديمة التي يتجلى فيها البحث عن لقمة العيش عن طريق ادامة العلاقات التي تشرب من حيائنا بشكل لا يوصف. فلقد ازاح ذلك الهامش متن وجودنا ليحل محله متحولا الى هم دائم.
فالشاعر (طه الطاهر) لم يكن الا ضحية من ضحايا الدكتاتورية ايام عز شراستها وطروحاتها العديدة مثله مثل المدفونين احياء في مقابرها الجماعية. والفرق الوحيد بينه وبين اولئك الشهداء، انهم قد تنفسوا عبق تراب بلادهم في لحظات وأدهم القسري الاخيرة، اما (طه الطاهر) فقد تنفس رائحة جسده واثاث غرفته وهما يحترقان معا في لحظات موته الذي اختاره بنفسه. واذا كانت هذه النهاية المأساوية لهذا الشاعر قد عدها الكثير من اصدقائه ومحبيه مفاجأة لهم. فهي لم تكن في اعتقادي مفاجأة للشاعر نفسه فلقد تنبأ بها وخطط لها، يتضح ذلك من خلال عناوين قصائده:
تخطيط بياني ـ خطى النهاية ـ وعي الجنون ـ متاع النار
والتي اخترنا منها ما يلي:
تنبؤات الموت اختيارا...
(انا
متوسد صخور منيتي
بلا ذاكرة للمستقبل)
(صريع
ناشرا احشائي المريرة
على حبل تردداتكم)
(صريع
فارسموني كيفما شئتم
وتزاحموا على تذاكر الالتزام)
المدينة الذاكرة/ 20
(اقتربي اذن
قبل ان يحرق كل شيء
وقبل ان تطوى حياتي
مثلما يطوى الكتاب)
تخطيط بياني/ 28
احدثك
رغم ان الكل يصرخ
والكل يصفق
فأنا الذي سأقطع حبل النهاية
انا الفائز في هذه المسابقة الادبية
حتى لو كان فوزا لا شرعيا
خطى النهاية/ 36
هالقد غادر من العمر يوم اخر
كلا لقد اضيف للعمر يوم اخر
انني مشدود لكليهما
ومثل حصانين احمقين
كل يجرني لجهة
رسالة مسائية الى وردتي/ 40
ماذا اقول لكم
انا الذي تتنفسونه ذات يوم
دخانا يتصاعد للاعالي
ونارا تتلوى
ماذا
سأحرق نفسي
واكون انا... بلحمي
بدمي....
بلباسي الانيق هذا...
ساعة الصفر
متاع النار/59
انا هذا الوعي اللا مجدي..
وعي الجنون
وعي الجنون/ 68
شهادات
* احيانا كان يتحدث عن قرار الموت وكيف يكون سهلا وسريعا كاطلاقة مسدس في الرأس.. لم نكن نعبأ بما كان يخطط له ليقيننا ان (طه) كان حالما كبيرا بان الغد العراقي سوف يأتي..
لم نفكر جديا بكم الاحزان التي داهمته سريعا وتركت ندوبا لا تمحى في خياله.. كان يقود نفسه لوليمة النار التي اكلت جسده وطهرت روحه اللائبة قبل اوان غد العراق الذي طال عليه)
كريم النجار/ ناقد
* لا لم تكن آبها بأي مجد او شهرة تنالها من خلال تهافتك على نشر نصوصك... كنت تعتبرها جزءا من مقتنياتك الثمينة والاثيرة لديك..
 لذا ابتعدت بها عن كل مصلحة.. لم تساوم عليها.. لم تعرضها للفرجة.. لم تسمح لأي متطفل على الشعر والابداع والخلق ان ينظر اليك من وراء زجاجة نظارته العمياء ليملي عليك دروسه الرديئة في تعليم الشعر... كنت تعرف ان الشعر ليس درسا تعليميا، لا يوجد في العالم معلم اسمه معلم الشعر)
الشاعر عيسى حسن الياسري
* ولكن هل تعني الصرخة شيئا في صحراء؟ تردد صداها رمال تذروها الرياح وتبعثرها، اذن كم هو موجع ان تكون بين جموع تحسب ان بينهم اصدقاء، وتصرخ وتجد التفاتة او أي صدى لتلك الصرخة كم هو موحش، ان لا يصل صوتك لمن تريد، الا بعد ان وصل النصل الى الاعماق)
ابتسام يوسف الطاهر
* الساعة السابعة صباحا
قبل الالف الثالث من عمر الحزن
ومثلما عرفتك.. وجدتك
متروكا للنوم الخالد في ركن صديقتك
تلملم ساقيك نحو صدرك
مدليا رأسك
مثل جنين من رحم النار
لتقفل راجعا للماضي
الشاعر/ يعقوب زامل الربيعي
* الطاهر حدّ الاحتراق!!
عرفته من خلال الناقد علي دنيف حسن، وبرغم ان سنينا قد مضت على مفارقته الاختيارية لعالمنا الارضي الا انه حفر في قلبي المجلوط اخدودا من العتب على الفعلة القدرية التي خطفت منا موهبة عراقية كانت تعد بالكثير وتخلع ثوب الجفاف عن حقلي الشعر والقصة لكن عزاءنا ان رفقته الصالحين قد مسكوا صولجان الذكرى فلا تقترب منه ضفة النسيان.
الكاتب ناظم السعود
الشاعر الراحل (طه الطاهر) في سطور
* 1949 الولادة في مدينة كميت / محافظة ميسان
*1950 انتقل مع عائلته الى العاصمة بغداد
*1967 اكمل دراسته الثانوية/ الفرع العلمي
* عمل لسنوات عديدة في مجال الصحة/ الطب الشعاعي/ اربيل واقام معرضا للوحاته في اوائل السبعينيات من القرن الماضي في شمال العراق.
* 1972 اعترضت الرقابة على اصدار ديوانه الاول
*1977 ترك العمل في مجال الصحة وعاد الى العاصمة بغداد وعمل خلال هذه الفترة في مهن عديدة/ النجارة/ البناء/ بائع خضر/ بائع ادوات احتياطية للسيارات
*1980 اصيب بمرض نادر شبيه بالحساسية سبب له متاعب صحية كثيرة اثرت على وضعه النفسي
*1990 اصيب بسرطان الحنجرة
*1996 نشرت له جريدة (القدس) العربي في لندن قصيدته (خط النهاية
*1998 اقدم على الانتحار حيث احرق نفسه مع جميع موجودات غرفته بعد ان اوصدها عليه.

 
 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 

 

· البحث في اخبار اخر الاخبار الثقافية والفنية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في اخر الاخبار الثقافية والفنية:
من كير كيجارد الى سارتر