صابر باتيا ..مخترع البريد الالكتروني

 

 


حرب شوارع معوقــــات في طريق إصدار قانون منعها

 

 


مستشفى فاطمة الزهراء انتهت صلاحية عمله منذ 17 عاما

 

 


 

 

 

ثقافة: دخان السرد في (سنوات الحريق)

 
 


نصيف فلك
يصعب فك الاشتباك بين السرد والشعر اكثر من بقية الاجناس الثقافية حيث يمكن تلمس الدفق الشعري عند نيتشه مثلاً في الفلسفة ليس كما عند ماركيز في الرواية .



 والسياق الغالب في مكونات الرواية تداخل ثلاثة عناصر : التأريخ والفلسفة والشعر، منثورة داخل حكاية. يؤخذ على الكثير من الاعمال السردية طفح الدسم الشعري فوق السطح وهيمنة الفضاء الشعري على السردي من خلال الجملة الايحائية المجنحة والحدث المتشظي والشخصيات الملتبسة خارج السؤال الوجودي والمعرفي والاجتماعي.
اما في رواية (سنوات الحريق) للكاتب حمزة الحسن فالطاقة الشعرية يفجرها النثر، اذ تنبعث ادخنة حرائق مختلفة المصادر والالوان والروائح داخل جسد (البطل) العاجز والمنفي في احدى دور العجزة الذين يصفهم (وجوه شققها الانتظار والموت والثلج والعزلة والامل المتآكل)، بينما هو النزيل الوحيد لاسباب لم يعرفها الاطباء بعد، ولاعلاقة له بالشيخوخة او العجز المرضي، جسد البطل في دار المسنين النرويجي في تحول شعري مستمر من غيمة الى عصفور الى نحلة الى خرقة الى مكنسة، رأسه يصير نافذة تطل على جميع حرائقه ويراقب من خلالها الفراشات المسائية في الربيع وتتساقط الاوراق في الخريف ويصير قلبه موقداً موحشاً في جو الشتاء النرويجي حيث تتحلق حوله سنين عمره وهي ترمي بنفائسها داخل الموقد، فالدخان لاينقطع ولا يتلاشى من قلبه، وكل هذه في جسد وقع في الفخ كما يقول الراوي:(هذا الجسد العاطل صار مشكلة الان. قبل ان يعطل كان مشكلة. كانت مشكلته انه يريد، ويشتهي، ويحلم، على الضد من قوى متعددة) القصيدة عبارة عن وحدة شعرية واحدة في حين تزخر الراوية بوحدات شعرية كثيرة ومتنوعة تتفتح الوحدة الاولى من فضاء حبه الاول لتدخل في اجواء المراهقة السياسية وتوزيع المنشورات، تحمل شعر للبياتي اكثر مراهقة (قم تر الافق مشاعل - وملايين المساكين تقاتل) حتى صار البطل مادة للسخرية من قبل رجال الامن بعد اعتقاله يلقبونه (ابو المشاعل). بعدها يدخلنا الكاتب في وحدة الهروب الشعري وتقلباته النفسية عند البطل وهو يتدلى في فراغ قاحل مابين اليأس والخلاص، يشم رائحة دختنه الجسدية حسب تضاريس المكان المتمثلة في هويات المدن وسجونها من طهران الى اسلام اباد الى كراجي وحتى او سلو ثم المنفى الثلجي في مأوى المسنين.
الوحدة الشعرية في القصيدة مكتفية بذاتها كأنها بيضة طائر الفينيق الاسطوري، لاتحتاج الى مكان تفرش عليها مخاضها وتؤثث لمولودها فقد تبدأ بمكان خرم الابرة وتتسع لتشمل سعة الكون برمته، او تقلص مكان الطبيعة وتختصره في بقعة مكانية بحجم زهرة ناعمة انبثقت في مزبلة. كما ان الوحدة الشعرية في القصيدة لاتحتاج الى زمان تنحت فيه روحها فربما تنطلق من لحظة سقوط سن لبني لطفل وتفيض منساقة على الدهر كله، او تختصر الايدية وينكمش الزمن السرمد الى لحظة اختباء طير جريح ليموت. تماماً عكس الوحدات الشعرية في الرواية حين تبني مكانها (الواقعي او المتخيل) على ارض صلبة تتحمل ثقل الاحداث وثقل الشخصيات وتوحي بانها اشد حقيقة من الحقيقة كما في رواية سنوات الحريق التي وضعنا الكاتب حمزة الحسن في مكان حقيقي لاينقطع فيه الوفر فوق دار العجزة في بلدة (بيرغن) وكأن السماء فيها لاتكف عن البكاء بدمع ابيض نقي على بلاد حارة ومنسية تذبح يومياً بيد دكتاتور مدمن على الدم. اختار الكاتب مكاناً هو نقيض لمكان بلاده بين ناس لايعرفهم ولايعرفونه، لان الناس الذين يعرفهم من جنس الفارين والمتناثرين في اصقاع الارض، الذين يفزون كل صباح وينظرون في المرآة فلا يتعرفون على وجوههم. وكذلك تؤثث الرواية وحدة زمنها وتسقط في الشعري المحض ان بقي سائباً او زمناً مبتوراً لاقبله سنين وحقب ولا بعده ايام اتية. لذلك اختار الروائي حمزة الحسن فترة التسعينيات من القرن الماضي ليصفي حساباته مع نفسه اولاً ومع رفاق الحزب الشيوعي ثانياً، الذين هربوا من بطش سلطة صدام والبعث وكيف شيدوا في المنافي سلطة لامرئية انبثقت من خراب النفس البشرية عندما يسقط الحلم ويتحول الى كابوس يدمر اقرب الناس، حيث لم تنج سوى قلة من لعبة الجلاد والضحية وتبادل الادوار. انها رواية سيرة تثب من مكان لاخر وتنط من زمن لزمن بروح شعرية تدميرية، وتعصف وتقتلع كل الثوابت المقدسة والمنخوبة من الداخل ثوابت تحتفي بالشعار الاجوف وتدوس الذات الآدمية الجريحة اثناء ركضها المسعور في المسيرات الحزبية.
ان تسرب ماء الشعر من سقف الرواية يتجلى بوضوح في(سنوات الحريق) ويذكر اسماء شعراء مثل فاليري او جاك بريفير ومايكوفسكي، ويتمادى الكاتب بالشعري داخل البناء السردي بدون خشية من الانزلاق الى فخ القصيدة عندما ينقل قصائد كاملة تمتد الى صفحات لشعراء كسعدي يوسف قبل ان تسقط هامته الشعرية في وحل الطائفية و(المقامة) التكفيرية بسقوط الديكتاتور مباشرة وابيات (انشودة المطر) للسياب وروفائيل البرتي ومقاطع كبيرة من نشيد الانشاد السومري وقصيدة الاله (انكي) ورثاء أوروك وقصيدة عذاب مواطن بابلي ومقاطع من (الموت في البسفور) لعبد الوهاب البياتي مع مقاطع شعرية واشارات مأخوذة من كتاب (ديوان الاساطير).
لقد غامر الروائي حمزة الحسن بالمشي على الحافة الخطرة مابين السردي والشعري، تدفعه مرارة نواح جروحه الى المجازفة فقد طوقته من جميع الجهات بكثرة ضجيجها وشدة صخبها حتى اردته مشلولاً في مأوى العجزة يكتب رواية(سنوات الحريق).

 
 
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 

 

· البحث في اخبار ثقافة
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في ثقافة:
خُـرافَةُ فَـرَح