لا أعد مقاضاة الحاكم الطاغية انتهاكاً للسيادة الوطنية بل انتصار للشعوب المضطهدة
حاوره - عبد الجبار خضير عباس
تصدرت موضوعة الرئيس السوداني عمر البشير اخبار الصحف والفضائيات، بعد ان اصدرالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مورينو اوكامبو مذكرة توقيف واحضاراو القاء القبض بحق البشير،
بسبب حملة العنف التي قادتها حكومته في اقليم دارفور الذي بات نهبا للقتل والتشريد والتجويع والتطهير الاثني ونقلت الصحف جزءاً من لائحة الاتهامات التي قالت عن البشير انه دبر ونفذ خطة لتدمير قبائل الفور والمساليت ومتهمة اياه بالابادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية، ويذكر ان البشير يحكم السودان منذ تسعة عشر عاماً .والمثير في القضية هو لاول مرة في التاريخ يتم اصدار مذكرة توقيف واحضار بحق رئيس دولة يمارس منصبه الرئاسي، وبالضرورة يتمتع بحصانة دولية كما هو متعارف عليه، ولم يحدث في التاريخ محاكمة رئيس جمهورية الا اذا كان مهزوما او مخلوعا، كما هو الحال مع الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش وهي سابقة خطيرة.. الموضوع يثير عدة تساؤلات ما مدى فعالية السيادة هل هي حقيقة ام وهم؟، خاضعة للتحول والتغيير؟ ما تفسير الهيجان الاعلامي العربي الرافض لقرار المحكمة؟ لماذا ثمة فارق في تنفيذ القرارات الاممية اذا كانت تخدم الغرب والولايات المتحدة الاميركية تفعل وتنفذ وتعطل وتسوف اذا كانت ضد اسرائيل، يذكر ان ادارة الرئيس بوش قد شنت حربا دبلوماسية ضارية لضمان عدم مثول اي مواطن اميركي امام المحكمة الجنائية الدولية. وتساؤلات اخرى عديدة، تتعلق بسيادة الفرد وحقوق الانسان الآخذة بالبروز على حساب سلطة الدولة والحاكم وتنامي دور المنظمات الدولية في عالم متسارع في التغيير والتحول والتبدل،حملنا تساؤلات عدة بحثا عن اجابة لها من الباحث والكاتب د. عبد الخالق حسين
السيادة الوطنية
* كيف تقرأ مفهوم السيادة على وفق مذكرة التوقيف ضد الرئيس السوداني عمر حسن البشير وتداعيات القرار1559 والضربات الاستباقية.. وصلاحيات ما فوق السيادة لمجلس الامن، والضغوطات الاقتصادية على بعض الدول الكبرى لتغيير مواقفها السياسية، الى اي مدى يشتغل هذا المفهوم في عالم متسارع التغيير في مواقفه السياسية وقوانينه الدولية؟
- من الجدير بالذكر ان البشرية تعيش اليوم مرحلة متقدمة من الحضارة وهي عصر العولمة التي هي نتاج التطور المذهل للعلوم والتكنولوجيا لاسيما في وسائل الاتصالات والمواصلات ونقل المعلومات، وتداخل مصالح الشعوب مع بعضها البعض على حساب الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية، الى حد ان صارت كرتنا الارضية قرية صغيرة لم تعد كونية ، بحيث تعد فيها اية مشكلة وطنية هي مشكلة دولية. وفي هذه الحالة، السيادة الوطنية عكازة يتعكز عليها الطغاة لاضطهاد شعوبهم بعيداً عن المحاسبة والمساءلة من المجتمع الدولي بحجة انها تدخل في الشان الداخلي ومسا بالسيادة الوطنية، كما لم تعد السيادة هذه البقرة المقدسة.
ففي العام 1795 اي قبل 213 سنة نشر الفيلسوف الالماني الخالد،عمانؤيل كانط Immanuel Kant (1724-1804) رسالة بعنوان (من اجل سلام دائم) قال فيها: (لن يتحقق السلام العالمي الا بعد ان تحول العالم الى فيدرالية دولية) ولتاسيس هذه الفيدرالية، طالب كانط بتاسيس منظمة الامم المتحدة كبداية لهذه الفيدرالية. وفعلاً شعر العالم بالحاجة الماسة الى مثل هذه المنظمة الدولية بعد الحرب العالمية الاولى مباشرة، فتحقق حلم الفيلسوف العام 1919 بولادة (عصبة الامم) التي تطورت الى (منظمة الامم المتحدة) ذات صلاحيات اوسع بعد الحرب العالمية الثانية العام 1945. ومنذ ذلك اليوم لعبت المنظمة الدولية دوراً بارزاً في تنظيم العلاقة بين دول العالم لاسيما في حفظ السلام. ومع تسارع التطور في عالم متغير نحو التقارب وتلاقي المصالح، تزايدت صلاحيات هذه المنظمة الدولية، ونمت الحاجة الى دور المجتمع الدولي اكثر فاكثر، ليس في حفظ السلام ومنع الحروب بين الدول فحسب، بل وتوسعت صلاحياتها على وفق الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية الى حماية الشعوب من حكامها الطغاة ايضاً.
وبذلك لم تعد السيادة الوطنية وسيلة للحكام الطغاة من امثال صدام وميلوسوفيج وعمر حسن البشير و ورئيس ليبيريا تشارلز تيلور وغيرهم وسيلة لحمايتهم من المحاسبة عن جرائم الحروب وابادة الجنس وجرائم ارتكبوها ضد الانسانية. وهذه في الحقيقة نقلة نوعية في الحضارة البشرية لصالح الشعوب المضطهدة من قبل حكامها. فلا سيادة وطنية كاملة الا في ظل حكومة شرعية اي منتخبة من قبل الشعب. ومعظم الحكومات المستبدة هي حكومات غير شرعية بالمعنى العصري.
ادلة دامغة
* يعتقد المدعي العام لويس مورينو اوكامبو ان هناك قناعات وادلة دامغة بان عمر حسن احمد البشير يتحمل المسؤولية الجنائية بشأن ارتكاب جرائم الابادة الجماعية، والجرائم ضد الانسانية، وجرائم الحرب. وتبين الادلة التي قدمها المدعي العام ان البشير قد دبر ونفذ خطة لابادة مجموعات الفور، والمساليت، والزغاوة، لاسباب اثنية، في حين يرى الاعلام العربي والجامعة العربية والحكومات العربية ان الاعتقال يشكل اهانة للعرب كيف تفسر ذلك؟
- لم يقدم المدعي العام السيد اوكامبو صحيفة الاتهامات ضد البشير الا بعد جهود مضنية لثلاث سنوات في التحقيق في هذه الجرائم، ولديه ادلة دامغة مدعمة بوثائق وشهادات من الصعوبة بمكان تفنيدها او دحضها. فالبشير يتحمل المسؤولية بحكم كونه الحاكم المطلق للبلاد، وان منظمة الجنجويد التابعة للحكومة السودانية فضلا عن القوات العسكرية الحكومية هي تعمل باوامر السلطة، وفي هذه الحالة لا يمكن للبشير ان يتنصل من مسؤولياته.
ويرى المدعي العام (ان هناك مبررات معقولة للاعتقاد بان البشير يتحمل المسؤولية الجنائية فيما يخص التهم الموجهة بارتكاب جرائم الابادة الجماعية، والجرائم ضد الانسانية، وجرائم الحرب). وتبين الادّلة (ان البشير قد دبر ونفّذ خطة لتدمير جزء كبير من مجموعات الفور (الذين تنسب اليهم "دار فور)، والمساليت، والزغاوة، لاسباب اثنية. وقد احتج بعض اعضاء هذه المجموعات، وشرعوا في التمرد. واذ لم يتمكن البشير من هزم الحركات المسّلحة راح يهاجم الشعب". ويقول المدعي العام "ان دوافع (البشير) سياسية في معظمها وهو يتذرع بحجة "مكافحة التمرد"، لتنفيذ الابادة الجماعية “.
اما موقف الاعلام العربي المستميت في الدفاع عن البشير وتحت مختلف المعاذير، فهو اعتيادي ومتوقع، اذ هذا هو موقف الاعلام العربي في حالات كثيرة مشابهة، مثل جرائم الابادة التي ارتكبها صدام في العراق ضد الكرد في جريمة حلبجة والانفال، وابادة عرب الاهوار، والمقابر الجماعية وغيرها، متذرعين بالسيادة الوطنية وغيرها. كما يجب ان نعرف ان معظم مؤسسات الاعلام العربي هي تابعة للحكومات العربية وليست حرة، لذلك فهي تمثل وجهات نظر حكوماتها. وهذه الحكومات هي الاخرى تضطهد الاقليات العرقية والدينية في بلدانها، لذا فهي تخاف ان يصلها الدور كما حصل للبشير. لذلك فشعارهم المرفوع والمعروف هو: (انصر اخاك ظالماً او مظلوماً). ودفاع الحكام العرب والاعلام العربي عن البشير هو دفاع عن انفسهم. وطبيعة الموقف نفسه تتبناه الجامعة العربية التي من وظيفتها الدفاع عن سمعة ومصالح الحكومات العربية الاعضاء فيها وحمايتهم، لان الجامعة تمثل الحكومات وليس الشعوب.
اما ادعاء هؤلاء بان قرار المحكمة الدولية يعد اهانة للعرب، جاء هذا على وفق ما يسمى بـ(العقلية الذرائعية) عند العرب. فبادعائهم هذا، فهم الذين يهينون العرب، اذ ليس اشد اهانة للشعوب العربية من الاهانة التي توجهها هذه الحكومات على شكل مظالم وجرائم الحروب وابادة الجنس ضد شعوبها. ولكن كما يقول الشاعر:
اسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
مقاضاة الرئيس
* المتعارف عليه والسائد لا يوجد قضاء في عالمنا العربي والاسلامي يستطيع مقاضاة رئيس الجمهورية اذا اقترف جرائم ضد الانسانية، اذاً ما السبيل لمقاضاته وبطريقة لا توصف بانتهاك السيادة؟
- عدم وجود قضاء في عالمنا العربي والاسلامي لمقاضاة رئيس الجمهورية اذا اقترف جرائم ضد الانسانية هو الآخر ليس مستغرباً، لان هذا النوع من القضاء مرتبط بالضرورة بنظام ديمقراطي حقيقي، اي بوجود حكومة منتخبة من الشعب. ومعظم الحكومات العربية والاسلامية تفتقر الى اسناد الشرعية، لانها اما جاءت الى السلطة على ظهر دبابة مثل سلطة الرئيس السوداني عمر حسن البشير وصدام والقذافي وغيرهم، او عن طريق انتخابات برلمانية ورئاسية مزورة والادعاء بفوز الرئيس بنسبة 99.99%. وعليه ليس هناك اي سبيل آخر في البلاد العربية والاسلامية لمقاضاة الحكام الطغاة غير المحكمة الدولية التي طالبت الآن بتوقيف ومحاكمة عمر حسن البشير بمثل ما حاكمت الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش على جرائم الحرب والابادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية. وانا لا اعد مقاضاة الحاكم الطاغية انتهاكاً للسيادة الوطنية بل انتصار للشعوب المضطهدة وتحقيق الحق والانصاف للضحايا.
شماعة اميركا
* ثمة من يرى ان القرارات الاممية تنفذ بسرعة اذا كانت ضد العالم الثالث، وتعطل ويتم تسويفها اذا تعرضت للغرب والولايات المتحدة الاميركية او ضد اسرائيل. يذكر ان الادارة الاميركية لا تسمح بمثول اي مواطن اميركي امام المحكمة الجنائية الدولية. وتحت ضغطها تشترط في اتفاقياتها الدولية، على عدم تسليم الاميركيين الموجودين على اراضي تلك الدول الى المحكمة ما تعليقك؟.
- شماعة اميركا واسرائيل هي جاهزة دائماً ليعلق العرب غسيلهم القذر عليها ويتخذوا منها مبرراً لمخالفات الحكام العرب ضد الانسانية. ووجود مثل هذه القوانين في اميركا يجب ان لا تؤخذ مبرراً لاعفاء الحكام الطغاة في العالم الثالث من المحاسبة والمساءلة امام محاكم دولية. بالطبع تدافع اميركا عن مواطنيها، عن طرق قوانين خاصة بعدم تقديمهم امام تلك المحاكم، ولكن في الوقت نفسه توجد في اميركا، وكذلك في اسرائيل، محاكم دستورية لمقاضاة المخالفين للقوانين او من يرتكبون الجرائم ضد الانسانية، ولم يسلم من ذلك حتى الرؤساء. بينما تفتقر معظم دول العالم الثالث الى مثل هذه المحاكم لمقاضاة رؤسائهم المخالفين في بلدانهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حوكم في اميركا الرئيس الاميركي الاسبق رتشارد نيكسون عن (فضيحة ووترغيت) وادين، كما وحوكم الرئيس بيل كلينتون امام المحكمة الدستورية في قضية لونسكي، وتمت براءته. وفي اسرائيل تمت محاكمة آرييل شارون وزير الدفاع العام 1982 عن دوره في مجزرة صبرا وشاتيلا ضد الفلسطينيين، وادين على قدر دوره. والآن هناك مطالبات في اسرائيل بمحاكمة رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي ايهود اولمرت بتهمة الفساد. فهل يجرؤ او يحلم احد في البلاد العربية والاسلامية باجراء مثل هذه المحاكمات ضد اي حاكم فاسد من حكامهم في بلادهم.
الجواب معروف لدى الجميع بكلا. وحتى في البلاد العربية، فعند اصدار قرار التوقيف من قبل المدعي العام الدولي مورينو اوكمبو لا يعني هذا ان الرئيس حسن البشير سيذهب من تلقاء نفسه ويمثل امام المحكمة الدولية ليدافع عن نفسه ويبرر ساحته من التهم الموجهة اليه.
ولكن سيحصل هذا فقط في حال الاطاحة بحكمه، كما حصل لتشارلس تايلور، رئيس لايبيريا السابق و سلوبودان ميلوسوفيتش رئيس يوغوسلافيا السابق، وعندئذٍ سينفذ قرار التوقيف والمقاضاة امام المحكمة الدولية. الا ان صدور هذا القرار له تاثير معنوي كبير جداً لصالح ضحايا دارفور، ويمثل بداية النهاية لنظام حكم البشير.
حقوق الآخرين
* لماذا يكون صوت الرأي العام والاعلام العربي عاليا في التفاعل مع القرارات الدولية، في حين يكون خافتا مع انتهكات حقوق الانسان في الداخل؟
- هذا نوع من ازدواجية المعايير التي يتصف بها الرأي العام والاعلام العربي. فالثقافة العربية (الموروث الاجتماعي) لا يعرف شيئا في قاموسه اسمه (حقوق الانسان) فهذا مصطلح جديد مستورد من الغرب. فالعرب ينظرون الى منظمات حقوق الانسان كنظرتهم الى حفلات عرض ازياء، ويعتقدون انها منظمات تستخدمها الحكومات الغربية "الامبريالية" كواجهات لخداع العالم واضطهاد الشعوب!!. ولذلك لم يتحرك العرب عندما تحصل تجاوزات على حقوق الآخرين في بلدانهم من قبل الحكومات العربية.
ففي نظر العرب ان عمليات ابادة الجنس في دارفور اكاذيب وافتراءات تبثها المنظمات الصهيونية والصليبية من احفاد القردة والخنازير حقداً على العرب
والمسلمين.
لذا يعتقد هؤلاء ان العالم كله لا شغل له سوى التآمر على العرب. ونعرف ذلك من دفاعهم المستميت عن اكبر مجرم عرفه التاريخ، الا وهو صدام ، صانع المقابر الجماعية في العراق، فهذه المقابر هي الاخرى من صنع الاميركان وليس من صنع صدام كما يعتقدون. ولله في خلقه شؤون.
التدخل الأممي
* هل تعتقد ان التدخل الاممي المستمر لمحاسبة القادة السياسيين سيسهم في فرض مناخ ديمقراطي يساعد على زوال الانظمة الشمولية ام هو قدر ملازم للامة؟
- نعم وبالتأكيد. لان هذا التدخل الاممي يفضح جرائم الانظمة المستبدة على نطاق واسع، ويدق على يافوخ الانسان العربي ليستيقظ من نومه العميق الذي طال قروناً، وهو نوع من العلاج بالصدمة.
فالعربي الذي ولد وترعرع في مجتمع لا يعرف غير الطاعة العمياء للحاكم، وكيل المديح والثناء له "حتى ولو جلد ظهره واخذ ماله" فجأة يرى هذا الحاكم مطالب من قبل محكمة اممية لمقاضاته بجرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية، لا بد وان يتساءل مع نفسه، كيف حصل هذا، فلا بد ان حاكمنا هو انسان يخطأ ويجرم، فالى متى نبقى هكذا نقدس الحكام الطغاة؟. ودعوة الحكام الطغاة للمحاكمة والمقاضاة لا يتم الا في المجتمعات الديمقراطية، لذلك فلا شك ان هذه الدعوة ستساعد على تنشيط مناخ الديمقراطية وحركة الديمقراطيين ومنظمات المجتمع المدني لاسيما منظمات حقوق الانسان في البلاد العربية والاسلامية، والعمل على زوال الانظمة الشمولية كما زالت
في اوروبا الشرقية وفي بلدان اخرى من العالم.