حاوره : راضي محسن
يبين الان تورين ان الديمقراطية نسق مركب من عدة عناصر اجتماعية وحقوقية واقتصادية وفردية ومعرفية مترابطة ومتفاعلة قائمة على الفصل بين المجتمع السياسي والمجتمع الاهلي حيث لاقيمة للعملية الانتخابية اذا لم ترافقها حريات واسعة للتجمع والتعبير وخطط التنمية البشرية المستدامة واصلاح سياسي يؤدي الى الفصل بين الدولة والدين .
(الصباح) حاورت د/ عبد الخالق حسين بشأن القوى الاجتماعية - السياسية القادرة على بناء مشروع الدولة الديمقراطية في العراق وآليات تفكيك الولاءات الطائفية القومية والاثنية ونمو وتبلور الجماعات العلمانية والليبرالية التي تؤمن بالديمقراطية ودولة المواطنة والقانون وترفض التمييز بين المواطنين على اسس دينية وطائفية وعرقية ومناطقية وفي الوقت نفسه تحترم الاديان وحرية العبادة والصحافة وحقوق الانسان وحقوق المرأة .
*المشروع الديمقراطي في العراق اخذ منحنى اخر، ماهي التحديات التي تواجه هذا المشروع ؟
- التركة الثقيلة التي خلفها النظام البعثي المقبور، من التخلف، والردة الحضارية، والانهيار الفكري والأخلاقي وتفتيت النسيج الاجتماعي، وتفشي الجريمة، وإعادة المجتمع إلى الوراء لعشرات السنين، إلى ما قبل الثورة الصناعية، بل وإلى مرحلة ما قبل الدولة، أي إحياء القبلية والعشائرية الطائفية والعرقية والمناطقية، وبعد أربعة عقود من استبداد حكم التيار القومي، وعزل العراق عن العالم، كل ذلك جعل الانتقال من الاستبداد إلى بناء دولة ديمقراطية، يواجه صعوبات وتحديات كبيرة، ومن هذه المعوِّقات ما يلي:
1. الإرهاب وتفشي الجريمة، والخراب البشري، وتدني الشعور بالمسؤولية.
2. اضمحلال الطبقة الوسطى التي لا يمكن بدونها بناء النظام الديمقراطي.
3. انهيار المجتمع وانشطاره على نفسه وفق انتماءاته الدينية والطائفية والعرقية والقبلية، وإبداء الولاء لهذه الانتماءات بدلاً من الولاء للانتماء الوطني.
4. تصاعد مد الإسلام السياسي، وهيمنة الأحزاب الدينية الطائفية على الساحة السياسية، والاستقطاب الطائفي والعرقي في المجتمع العراقي.
5. ضعف الأحزاب العلمانية وتشظيها إلى عشرات التنظيمات الصغيرة المتنافسة فيما بينها.
6. التدخل الفظ لدول الجوار بالشأن العراقي لإجهاض العملية السياسية وإفشال الديمقراطية في العراق كي لا تصل عدواها إلى بلدانهم، وذلك عن طريق دعم الإرهاب والميليشيات التابعة للأحزاب الدينية، مقابل تنفيذ هذه الأحزاب أجندات دول الجوار الداعمة لها.
7. الدستور العراقي كتب على عجل، وتضمَّن مواد تفرغ الديمقراطية من مضمونها، ومواد أخرى تجعل من تعديله شبه مستحيل، الأمر الذي يجعل الحكومة المنتخبة مشلولة، والعراق في حالة أزمة دائمة.
8- نقص التجربة الديمقراطية لدى الشعب العراقي، فالشعب لم يمارس الديمقراطية طوال تاريخه الحديث، وحتى في العهد الملكي الذي كان يدعي الديمقراطية، إلا إنه مارس ديمقراطية مزيفة ما أعطى للشعب صورة مشوهة عنها، لذلك كفرت الجماهير بالديمقراطية في ذلك العهد، وفضلت دعم الأحزاب الآيديولوجية الشمولية على الأحزاب الديمقراطية المزيفة.
9. التراث العربي- الإسلامي هو في الأصل بدوي الجذور، يقدس شيخ العشيرة والقبيلة، والعلاقات الأبوية. والموروث الاجتماعي العراقي يجمع بين البداوة والحضارة حسب نظرية العلامة علي الوردي لشخصية الفرد العراقي.
10. الانفجار السكاني ودوره في تفجير الصراعات العنيفة بين مكونات المجتمع.
* ماهي الوسائل الممكنة لتاسيس دولة ومجتمع ديمقراطي في العراق ؟
- عملية بناء دولة ديمقراطية ومجتمع ديمقراطي في أي بلد في العالم، عملية بطيئة وتدريجية مليئة بالخطوات المتعثرة والمترددة والتراجعات وحلول الوسط، تستغرق وقتاً قد يطول. فبناء الديمقراطية في الدول الغربية استغرق عدة قرون وواجه الكثير من الهزات والثورات والحروب. وهذا لا يعني أن العملية في العراق ستستغرق عدة قرون، ولكن في بلد ورث كل هذا الخراب، من المستحيل بناء نظام ديمقراطي فيه بين عشية وضحاها أو بمجرد إصدار دستور ديمقراطي، ناهيك عن دستوره المشوَّه الحالي. وفي الحالة العراقية كان المفروض من البداية اعتماد النهج التدريجي، إذ من الخطأ بعد عشرات السنين من النظام المتشدد في الاستبداد والقسوة، الانتقال إلى نظام ديمقراطي كامل ودون أي تحضير وتمهيد. ولذلك دفع ومازال يدفع الشعب الثمن باهظاَ.
كان المفروض بعد إسقاط النظام السابق، الشروع في بناء مؤسسات الدولة أولاً. وهنا أنا لا أؤمن بالمقولة التي تتكرر باستمرار، أن أميركا عملت على تدمير الدولة وحل مؤسساتها عن قصد من أجل تدمير العراق. في الحقيقة والواقع، كانت الدولة العراقية كلها قائمة على كتفي الدكتاتور صدام حسين، الأمر الذي تنطبق عليه مقولة الملك الفرنسي، لويس الرابع عشر: (أنا الدولة والدولة أنا). فعندما سقط نظام البعث الصدامي، كان من الطبيعي وكتحصيل حاصل أن تنهار الدولة وجميع مؤسساتها، خاصة وقد أذاب البعث الدولة العراقية في كيان الحزب، لذلك سميت الدولة العراقية في عهد حكم البعث، بـ(دولة المنظمة السرية).
كان المفروض من البداية تمديد المرحلة الانتقالية لعدة سنوات، وتشكيل حكومة من التكنوقراط المستقلين، وحكم العراق خلالها وفق (قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية)، وخلال هذه المرحلة يتم الشروع ببناء مؤسسات الدولة: الإدارية، والأمنية، والقوات المسلحة (الشرطة والجيش) على أسس حديثة تحترم النظام الديمقراطي، والعمل على تطبيق حكم القانون، ومكافحة الجريمة وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم من شرورها، ومن الإرهابيين، وبناء مؤسسات المجتمع المدني، ونشر ثقافة الديمقراطية وروح التسامح...الخ، وبعد ذلك إجراء انتخابات في المنظمات المهنية، النقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني، ومن ثم الشروع بكتابة الدستور في جو هادئ ومن قبل خبراء في القانون، ليس بالضرورة منتخبين من الشعب، ووضع نظام انتخابي يلائم ظروف العراق، وصولاً إلى تشكيل الأحزاب، وإجراء انتخابات برلمانية، والسير بهذه العملية (عملية بناء الدولة الديمقراطية) خطوة خطوة ووفق ما تسمح به الظروف الأمنية. ومن ثم مناقشة الدستور من قبل البرلمان وتعديله والتصويت عليه، وبالتالي عرضه على الشعب من خلال وسائل الإعلام ولمناقشة مواده والاستفتاء على صيغته النهائية، ليصبح دستوراً مشروعاً.
* بناء دولة ديمقراطية في العراق تعاني ازمة بنيوية مستديمة ماهي القوى السياسية القادرة على بناء هكذا مشروع؟
- الأزمة العراقية هي أزمة الإثنين، أزمة مجتمع وأزمة بناء دولة. والأزمة قديمة جداً ضاربة جذورها في عمق التاريخ العراقي، وهي وليدة الجغرافية والتاريخ، وليست وليدة مرحلة ما بعد البعث الصدامي كما يدعي البعض جزافاً.
ومن الخطأ الاعتقاد أنها جديدة، أو خلقها الأميركان بقصد تدمير العراق وغير ذلك من الادعاءات الباطلة التي تدل إما عن جهل فضيع بتاريخ العراق وطبيعة وتركيبة شعبه، أو عن قصد من أجل إدامة الأزمة وعدم الشروع في حلها، وإلقاء غسيلنا على شماعة الآخرين، وترديد نظرية المؤامرة، بأن هذه الأزمة هي من صنع الصهيونية والإمبريالية وغيرها من الادعاءات. لقد أكد عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي، هذه الحقيقة قبل 50 عاماً بقوله: "إن الشعب العراقي منشق على نفسه، وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر- باستثناء لبنان- وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الاعتبار! فهل من يسمع؟! (على الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 382- 383).
أما القوى الأساسية التي باستطاعتها بناء الدولة الديمقراطية فهي القوى العلمانية الديمقراطية الليبرالية التي تؤمن بالديمقراطية ودولة المواطنة والقانون، وترفض التمييز بين المواطنين على أسس دينية وطائفية وعرقية ومناطقية، وفي الوقت نفسه تحترم الأديان وحرية العبادة والصحافة والتظاهر والتعبير وحقوق الإنسان وحقوق المرأة...الخ
نؤكد على علمانية القوى السياسية، لأن الأحزاب الدينية هي بالضرورة طائفية ولا يمكن أن تتخلى عن تمييزها الديني والطائفي والأثني بين المواطنين، لذلك فالأحزاب الدينية محكوم عليها بإدامة الصراعات الطائفية والعرقية وتفاقم المشاكل التي تهدد أمن واستقرار الدولة الديمقراطية.
* تفكيك الولاءات الطائفية والقومية والأثنية مشروع ضخم في بناء الدولة الحديثة . هل حدث هذا المشروع في العراق منذ العام 2003؟
- لم يحدث تفكيك الولاءات الطائفية والقومية والأثنية في العراق منذ العام 2003، بل تفشت هذه الولاءات وتضخمت بشكل علني وغير معهود في تاريخ العراق. وهذا لا يعني عدم وجود هذه الأزمة والولاءات في العهود السابقة، إذ كانت موجودة ولكنها بشكل خفي لم يجهر بها أحد. أما اليوم فهي علنية وصريحة ومتفاقمة مما أعطى الذريعة بتبرئة نظام البعث الصدامي من ممارسة الطائفية والعرقية. على أي حال نؤكد أن الدولة الحديثة يجب أن تتبنى الحياد الإيجابي وتقف على مسافات متساوية من جميع مكونات الشعب، الطائفية والقومية والأثنية، وهذا لا يتم إلا بتبني دولة المواطنة والقانون والعلمانية الديمقراطية.
والجدير بالذكر، أنه ليس عيباً أن يعتز الإنسان بانتمائه القومي والديني والمذهبي، ولكن يجب أن تكون الأولوية للولاء الوطني.
* ترميم الطبقة الاجتماعية الوسطى، احد الشروط الاجتماعية لقيام وبناء دولة، ما هي الشروط الاقتصادية لإعادة الطبقة الوسطى الى الحياة السياسية ؟
- كما أشرتُ في إجابتي على السؤال الأول، أن بناء الدولة الديمقراطية ونجاحها في أي بلد يعتمد بالأساس على حجم الطبقة الوسطى، لأن هذه الطبقة هي المستفيدة من الديمقراطية أكثر من الطبقات الأخرى. والمشكلة أن الطبقة الوسطى كادت أن تختفي من المجتمع العراقي خلال العقدين الأخيرين من حكم البعث الصدامي لأسباب عديدة منها، الحروب العبثية، والحصار الاقتصادي بعد غزو النظام للكويت، وتدمير المؤسسات الاقتصادية والبنى التحتية ...الخ
لذا، فمن أجل إعادة الحياة لهذه الطبقة لتلعب دورها، يجب العمل الجاد والمكثف والممنهج وفق قواعد علمية، على إنعاش الاقتصاد العراقي، في القطاعين، العام والخاص، ودعم القطاع الخاص وتشجيعه على بناء المشاريع الصناعية والخدمية والزراعية، وخلق الملايين من مجالات العمل لمكافحة البطالة، ووضع محفزات لجذب الشركات الاستثمارية الأجنبية إلى البلاد، ومنحها ضمانات الحماية والعمل في العراق.